فهرس الكتاب

الصفحة 131 من 175

هذه صورة واحدة من صور الأذى الذي تعرض له صلى الله عليه وسلم، بلغ درجة أنهم حاولوا اغتياله وقتله إلا إن ذلك لم يثنيه عن دعوته، بل إن أعدائه ذهبوا إلى عمه أبي طالب وكان ينصر رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرضوا عليه أن يسلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مقابل ابن من أبنائهم، فأبلغه أبو طالب بهذا الأمر، وقال له: فأبق علي وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق أنا ولا أنت، فاكفف عن قومك ما يكرهون من قولك، فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عمه سوف يخذله ويسلمه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا عم لو وضعت الشمس في يميني والقمر في يساري ما تركت هذا الأمر حتى يظهره الله تعالى أو أهلك في طلبه) ، فمن يصبر ذلك الصبر ويكافح هذا الجهاد لا يكون إلا صادقًا في دعواه، بل هو أصدق الصادقين صلى الله عليه وسلم.

2 -كرم رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوده:

ومن حسن أخلاقه صلى الله عليه وسلم، والتي لا تكون إلا لنبي اصطفاه الله عزوجل، سخاؤه وكرمه فهو إن لم يكن يملك المال ما كان ليرد سائله بشيء يكرهه أو يجيبه إجابة تحرجه، روى الإمام البخاري في صحيحه عن جابر بن عبد الله رضى الله عنه قال: مَا سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَيْءٍ قَطُّ فَقَالَ لَا [1] .

يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله:"مَعْنَاهُ مَا طُلِبَ مِنْهُ شَيْء مِنْ أَمْر الدُّنْيَا فَمَنَعَهُ, قَالَ الْفَرَزْدَق:"مَا قَالَ لَا قَطُّ إِلَّا فِي تَشَهُّده".. وَلَيْسَ الْمُرَاد أَنَّهُ يُعْطِي مَا يُطْلَب مِنْهُ جَزْمًا, بَلْ الْمُرَاد أَنَّهُ لَا يَنْطِق بِالرَّدِّ, بَلْ إِنْ كَانَ عِنْدَه أَعْطَاهُ إِنْ كَانَ الْإِعْطَاء سَائِغًا وَإِلَّا سَكَتَ، وَقَدْ وَرَدَ بَيَان ذَلِكَ فِي حَدِيث مُرْسَل لِابْنِ الْحَنَفِيَّة أَخْرَجَهُ اِبْن سَعْد وَلَفْظه"إِذَا سُئِلَ فَأَرَادَ أَنْ يَفْعَل قَالَ نَعَمْ , وَإِذَا لَمْ يُرِدْ أَنْ يَفْعَل سَكَتَ".. وَقَالَ الشَّيْخ عِزُّ الدِّين بْن عَبْد السَّلَام: مَعْنَاهُ لَمْ يَقُلْ"لَا"مَنْعًا لِلْعَطَاءِ, وَلَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يَقُولهَا اِعْتِذَارًا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: (قُلْت لَا أَجِد مَا أَحْمِلكُمْ عَلَيْهِ) وَلَا يَخْفَى الْفَرْق بَيْنَ قَوْل لَا أَجِد مَا أَحْمِلكُمْ وَبَيْنَ لَا أَحْمِلكُمْ".

وقد تواترت الأخبار بجوده صلى الله عليه وسلم، وكرمه، فما بخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا ولا منع أحدًا سأله شيئًا قط روى مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك رضى الله عنه أن رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ فَأَتَى قَوْمَهُ فَقَالَ أَيْ قَوْمِ أَسْلِمُوا فَوَاللَّهِ إِنَّ مُحَمَّدًا لَيُعْطِي عَطَاءً مَا يَخَافُ الْفَقْرَ فَقَالَ أَنَسٌ إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيُسْلِمُ مَا يُرِيدُ إِلَّا الدُّنْيَا فَمَا يُسْلِمُ حَتَّى يَكُونَ الْإِسْلَامُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا) [2] .

ومن الأخبار العجيبة في هذا الشأن ما رواه البخاري عن سهل بن سعد رضى الله عنه أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبُرْدَةٍ مَنْسُوجَةٍ فِيهَا حَاشِيَتُهَا أَتَدْرُونَ مَا الْبُرْدَةُ قَالُوا الشَّمْلَةُ قَالَ نَعَمْ قَالَتْ نَسَجْتُهَا بِيَدِي فَجِئْتُ لِأَكْسُوَكَهَا فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا فَخَرَجَ إِلَيْنَا وَإِنَّهَا إِزَارُهُ فَحَسَّنَهَا فُلَانٌ فَقَالَ اكْسُنِيهَا مَا أَحْسَنَهَا قَالَ الْقَوْمُ مَا أَحْسَنْتَ لَبِسَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا ثُمَّ سَأَلْتَهُ وَعَلِمْتَ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ قَالَ إِنِّي وَاللَّهِ مَا سَأَلْتُهُ لِأَلْبَسَهُ إِنَّمَا سَأَلْتُهُ لِتَكُونَ كَفَنِي قَالَ سَهْلٌ فَكَانَتْ كَفَنَهُ [3] .

(1) 1 - صحيح البخاري كتاب الأدب باب حسن الخلق والسخاء وما يكره من البخل.

(2) 2 - صحيح مسلم كتاب الفضائل باب ما سئل رسول الله شيئُا فقال لا قط.

(3) 1 - صحيح البخاري كتاب الجنائز باب من استعد الكفن في زمن النبي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت