فهرس الكتاب

الصفحة 135 من 175

وسلم لأبي بكر وعمر:"والذي نفسي بيده لتُسأَلُنَّ عن هذا النعيمِ يومَ القيامةِ، أخرجكم من بيوتِكم الجوعُ ثم لم ترجعوا، حتى أصابكم هذا النعيمُ" [1] .

وفي هذا الحديث ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وكبار أصحابه - رضي الله عنهم - من التقلل من الدنيا، وما ابتلوا به من الجوع وضيق العيش في أوقات.

وكان زهد رسول الله صلى الله عليه وسلم رغبة في الآخرة الباقية ونفورًا من الدنيا الفانية، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يزل يتقلب في اليسار والقلة حتى توفي صلى الله عليه وسلم، فتارة يوسر، وتارة ينفد ما عنده لإخراجه في طاعة الله من وجوه البر، وإيثار المحتاجين، وضيافة الطارقين، وتجهيز السرايا، وغير ذلك، وهكذا كان خلق صاحبيه - رضي الله عنهما - بل أكثر أصحابه.

وروى البخاري في صحيحه عن عقبةَ قال: صلَّيتُ وراءَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بالمدينةِ العصرَ فسلَّمَ، ثم قام مسرعًا، فتخطّى رقابَ الناسِ إلى بعضِ حُجَرِ نسائِه، ففزِع الناسُ من سُرْعَتِه، فخرَج عليهم فرأى أنهم عجِبوا من سرعته فقال:"ذكرتُ شيئًا من تِبْرٍ [2] عندَنا، فكرِهْتُ أن يحبِسَني [3] ، فأَمَرْتُ بقِسْمَته" [4] .

6 -تواضعه صلى الله عليه وسلم:

كان النبي صلى الله عليه وسلم القمة في التواضع فكان يرقّع ثوبه، ويخصف نعله، ويحلب شاته، ويأكل مع العبد، ويجلس على الأرض، ورغم انشغاله كان يجيب دعوة الجارية الصغيرة ويسير معها في طرقات المدينة لا يتحرج من ذلك، يقول أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: إِنْ كَانَتْ الْأَمَةُ مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ [5] .

وهذا الحديث يدل على عظم تواضع رسول الله صلى الله عليه وسلم بل هو تواضع لم يسبق إليه أحد، فالتي ينقاد إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم أمة من أي إماء المدينة لا يهم نسبها أو مكانتها، وتذهب به صلى الله عليه وسلم إلى المكان التي تريد؛ يقول الحافظ ابن حجر: (والتعبير بالأخذ باليد إشارة إلى غاية التصرف حتى لو كانت حاجتها خارج المدينة والتمست منه مساعدتها في تلك الحاجة على ذلك، وهذا دال على مزيد تواضعه وبراءته من جميع أنواع الكبر صلى الله عليه وسلم"."

(1) 3 - أخرجه مسلم في الأطعمة، باب جواز استتباعه غيره إلى دار من يثق برضاه بذلك ويتحققه تحققًا تامًا واستحباب الاجتماع على الطعام.

(2) 4 - الذهب.

(3) 1 - أي يشغله صلى الله عليه وسلم التفكر فيه عن التوجه والإقبال على الله تعالى.

(4) 2 - رواه البخاري في الصلاة، باب من صلى بالناس فذكر حاجة فتخطاهم.

(5) 3 - البخاري كتاب الأدب باب الكبر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت