فهرس الكتاب
ومن أعظم مزايا الشريعة الإسلامية أنها معصوما عن الخطأ، معصوما عن التحريف والتبديل والتغيير، وذلك لأنها من عند الله تبارك وتعالى خالق الإنسان والخبير بما ينفعه ويضره، كما أن الله عزوجل تعهد بحفظ كتابه وحفظ شريعته من أي تحريف أو تزييف أو انحراف؛ يقول الإمام الشاطبي - رحمه الله-: إن هذه الشريعة معصومة كما أن صاحبها صلى الله عليه وسلم معصوم، وكما كانت أمته فيما اجتمعت عليه معصومة ثم دلل على ذلك بأمرين:
الأول: من القرآن الكريم حيث قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر:9] .
والثاني: دليل الاعتبار الوجودي الواقع من زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الآن [1] .
وكما تعتبر هذه الشريعة معصومة، فهي صادقة مصيبة يقول الله جل وعلا: (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا) [النساء: 87] ، ويقول تعالى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) [الإسراء: 9] ، ويصف الله القرآن فيقول: (َلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا) [النساء: 82] .
هذه هي أهم مميزات الشريعة الإسلامية التي تجعلها بحق أفضل الشرائع والتي تلزم كل من أقر بها أن يؤمن ويعمل بها لا أن ينحرف ويضل عنها؛ غير أن البعض قد يتهم الشريعة الإسلامية بالقسوة وذلك بسبب الحدود والعقوبات المقدرة, ونرد على هذه الشبهة في النقاط التالية:
ماذا عن العقوبات والحدود؟:
يتهم غير المنصفين الإسلام بأن أحكامه قاسية ويدللون على ذلك بالحدود التي قررتها الشريعة الإسلامية لمرتكبي الجرائم المختلفة من السرقة والزنا والقتل، غير أن المتبصر والمتأمل في مقاصد الشريعة الإسلامية وأحكامها لأدرك عظمة هذا الدين، فهو ليس الدين الفرد الواحد الذي يقدم شهواته ورغباته على صالح المجتمع والأمة، بل هو دين جماعي مجتمعي يحافظ على وحدة المجتمع وينفى عنه ما يضره، وبالتأكيد فإن مكونات هذا المجتمع هم الأفراد أنفسهم، وإنما نهت الشريعة الإسلامية عن الأشياء التي تعتبرها جرائم لا لشيء إلا لأن في ارتكابها أضرارًا جسيمة تلحق بنظام المجتمع وعقائده أو بأمنه وكرامته أو بحياة أفراده وأموالهم وأعراضهم ومشاعرهم.
والحكمة من الحدود في الشرع الحنيف هي معالجة الأمراض الاجتماعية فإذا نظرنا إلى المجتمع كوحدة واحدة وجسم واحد، ونظرنا إلى الأفراد وهم يمثلون خلايا الجسم وأعضائه وأطرافه، أمكننا أن نتصور كيف أن إيقاع العقوبات على بعض الأفراد يعتبر علاجًا للمجتمع، تمامًا كما يعالج جسم الإنسان، إما بأدوية مرة، أو بالمضاد، أو بالشق والجراحة، وقد يصل الأمر إلى بتر العضو وإزالته حتى لا يكون سببا في تلف الجسم كله، وهذا ما يحصل لخلايا وأعضاء هذا الجسم الكبير المجتمع، فقد يعالج بعض أفراده بالجَلد، أو الهجر أو الحبس أو القطع أو القتل إذا لزم الأمر.
ويحسن بنا أن ننقل مقارنة عقدها الأستاذ القانوني عبد القادر عودة رحمه الله في كتابه التشريع الجنائي الإسلامي حيث قال:"فإذا قدرنا أن الجرائم التعزيرية التي يمكن العقاب عَليها بالقتل تصل إلى خمس جرائم، كانت كل الجرائم المعاقب عليها بالقتل في الشريعة لا تزيد على عشر جرائم عند من يجيزون القتل تعزيرا، وكان عددها لا يزيد على خمس جرائم عند من لا يجيزون القتل تعزيرا، وتلك ميزة انفردت بها الشريعة الإسلامية من يوم نزولها، فهي لا تسرف في عقوبة"
(1) 1 - الموافقات: (2/ 40) .