فهرس الكتاب
والميزانَ والجنةَ والنارَ، قال: فقال ذلك لقومٍ أهلِ شركٍ أصحابِ أوثانٍ، لا يرَوْنَ أن بعثًا كائنًا بعد الموتِ، فقالوا له: ويحكَ يا فلانُ أَوَ ترى هذا كائنًا، أن الناسَ يُبعَثون بعدَ موتِهم، إلى دارٍ فيها جنةٌ ونارٌ يُجْزَونَ فيها بأعمالهم؟ قال: نعم، والذي يُحلَفُ به ولوَدَّ أن له بحظِّه من تلك النارِ أعظم تَنُّورٍ في الدارِ، يُحمونَه ثم يُدخِلونه إياه فيطينونه عليه، بأن ينجوَ من تلكَ النارِ غدًا، فقالوا: ويحك يا فلان! فما آيةُ ذلك؟ قال: نبيٌّ مبعوثٌ من نحوِ هذه البلادِ، وأشار بيده إلى مكةَ واليمنِ، فقالوا: ومتى تراه؟ قال: فنظرَ إليَّ وأنا من أحدَثِهم سنًا، فقال: إن يستَنْفِدْ هذا الغلامُ عمرَه يُدْرِكْه قال سلمة: فوالله ما ذهب الليلُ والنهارُ حتى بعثَ الله محمدا رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو حي بينَ أظهُرِنا، فآمنا به، وكفرَ به بغيًا وحسدًا قال: فقلْنا له: ويحكَ يا فلانُ، ألستَ الذي قلتَ لنا فيه ما قلتَ؟ قال: بلى، ولكن ليس به [1] .
4 -ومن القصص العجيبة في هذا الشأن، قصة ابن الهيبان؛ فقد ذكر ابن إسحاق عن عاصم بن عمرَ بن قتادة عن شيخٍ من بني قريظةَ قال لي: هل تدري عمَّ كان إسلامُ ثعلبةَ بنِ سعية، وأُسيدِ بنِ سعية، وأسدِ بنِ عُبيد؟ - نفرٌ من بني هدل، إخوة بني قريظة، كانوا معهم في جاهليتِهم، ثم كانوا سادتهم في الإسلام - قال: قلت: لا والله.
قال: فإن رجلًا من يهود من أهلِ الشامِ يقال له: ابن الهيبان قدم علينا قُبَيل الإسلامِ بسنين فحلَّ بين أظهرِنا، لا والله، ما رأينا رجلًا قطُّ لا يصلي الخمسَ أفضلَ منه، فأقامَ عندنا، فكنا إذا قحطَ عنا المطرُ، قلنا له: اخرج يا ابن الهيبان فاستَسْقِ لنا، فيقول: لا والله، حتى تقدِّموا بين يديْ مخرَجِكم صدقةً، فيقولون له: كم؟ فيقول: صاعًا من تمرٍ أو مُدَّينِ من شعير فنُخرجها، ثم يخرج بنا إلى ظاهرِ حرَّتِنا، فيستسقي اللهَ لنا، فوالله ما يبرَحُ مجلسه حتى يمرَّ السحابُ ونُسْقى قد فعل ذلكَ غيرَ مرَّةٍ ولا مرتينِ ولا ثلاث.
قال: ثم حضَرَتْه الوفاةُ عندنا، فلما عرفَ أنه ميتٌ، قال: يا معشرَ يهودَ، ما تَرَوْنَه أخرجني من أرضِ الخمرِ والخميرِ إلى أرضِ البؤسِ والجوعِ؟ قال: قلنا: إنك أعلمُ، قال: فإني إنما قدِمْتُ هذه البلدةَ، أتَوَكَّفُ [2] خروجَ نبيٍّ قد أظلَّ [3] زمانُه، وهذه البلدةُ مهاجرُه [4] ، فكنت أرجو أن يُبعَثَ، فأتَّبِعُه، وقد أظلَّكم زمانُه، فلا تُسبَقَنَّ إليه يا معشرَ يهود، فإنه يُبعَثُ بسفكِ الدماءِ، وسَبْيِ الذراري والنساءِ ممن خالفَه، فلا يمنَعُكم ذلك منه، فلما بُعثَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وحاصرَ بني قريظة، قال هؤلاءِ الفتيةُ - وكانوا شبابًا أحداثًا [5] : يا بني قُريظَةَ، والله إنه للنبيُّ الذي كان عَهِدَ إليكم فيه ابنُ الهيبان، قالوا: ليس به، قالوا: بلى والله إنه لهو بصفَتِه، فنزلوا وأسلَموا، وأحرَزُوا دماءَهم وأموالهَم وأهْليهم [6] .
فتلك أربع قصص لأشخاص متفرقين كانوا يعلمون بقرب خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا ينتظرونه، فمنهم من آمن به، ومنهم من منعهم الحسد والكبر عن الإيمان فخسر الدنيا والأخرة، نعوذ بالله من الخذلان.
(1) 2 - رواه الإمام أحمد في مسنده (15879) وقال شعيب الأرناؤوط: إسناده حسن، وذكره ابن هشام في السيرة النبوية (1/ 183) ، وأورده البيهقي في دلائل النبوة.
(2) 2 - انتظر.
(3) 1 - اقترب.
(4) 2 - التي يهاجر إليها.
(5) 3 - صغار في العمر.
(6) 4 - ذكره ابن هشام في السيرة النبوية (1/ 183) ، ورواه البيهقي في السنن وفي دلائل النبوة.