فهرس الكتاب
مع تقدم أدوات العلم وسبل المعرفة، قد يظن البعض أن معجزات الأنبياء تشبه ما يفعله السحرة أو غيرهم من أشياء قد تظهر وكأنها خارقة للعادة، غير أن هناك فروق واضحة جلية بين معجزات الأنبياء وغير ذلك من خوارق العادات الموهومة، نجملها فيما يلي [1] :
الأول: النبيّ صادقٌ فيما يخبر به عن الكتب، لا يكذب قط، ومن خالفهم من السحرة، والكهّان، لا بُدّ أن يكذب.
الثاني: الأنبياء لا يأمرون إلاَّ بالعدل، وطلب الآخرة، وعبادة الله وحده، وأعمالهم البر والتقوى، ومخالفوهم يأمرون بالشرك، والظلم، ويعظّمون الدنيا، وفي أعمالهم الإثم والعدوان.
الثالث: أنَّ السحر، والكهانة، ونحوهما أمور معتادة معروفة لأصحابها، ليست خارقة لعادتهم. وآيات الأنبياء لا تكون إلا لهم ولمن اتّبعهم.
الرابع: الكهانة والسحر يناله الإنسان بتعلّمه، وسعيه، واكتسابه، وهذا مجرّبٌ عند الناس، بخلاف النبوة؛ فإنّه لا ينالها أحدٌ باكتسابه فهي اصطفاء واختيار من الله عزوجل.
الخامس: لو قُدِّر أنَّ النبوّة تنال بالكسب، فإنّما تُنال بالأعمال الصالحة، والصدق، والعدل، والتوحيد، لا تحصل مع الكذب على من دون الله، فضلًا عن أن تحصل مع الكذب على الله. فالطريق الذي تحصل به لو حصلت بالكسب مستلزمٌ للصدق على الله فيما يُخبر به.
السادس: ما يأتي به الكهّان، والسحرة، لا يخرج عن كونه مقدورًا للجنّ والإنس، وهم مأمورون بطاعة الرسل، وآيات الرسل لا يقدر عليها؛ لا جنّ، ولا إنس، بل هي خارقة لعادة كلّ من أُرسل النبيّ إليه.
السابع: أنَّ هذه يمكن أن تُعارض بمثلها. وآيات الأنبياء لا يمكن أحدًا أن يعارضها بمثلها.
الثامن: أنَّ تلك ليست خارقة لعادات بني آدم، بل كلّ ضربٍ منها معتادٌ لطائفة غير الأنبياء. وأما آيات الأنبياء: فليست معتادة لغير الصادقين على الله، ولمن صدّقهم.
التاسع: أنَّ هذه قد لا يقدر عليها مخلوق؛ لا الملائكة، ولا غيرهم؛ كإنزال القرآن، وتكليم موسى. وتلك تقدر عليها الجنّ والشياطين.
العاشر: أنَّ النبي لا يأمر إلا بمصالح العباد في المعاش والمعاد؛ فيأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر؛ فيأمر بالتوحيد، والإخلاص، والصدق؛ وينهى عن الشرك، والكذب، والظلم. فالعقول، والفطر توافقه؛ كما توافقه الأنبياء قبله؛ فيصدقه صريح المعقول وصحيح المنقول الخارج عمّا جاء به.
الحادي عشر: السحرة يذم بعضهم بعضًا، والأنبياء يصدّق بعضهم بعضًا.
هذه هي الفوارق الظاهرة بين الأنبياء وغيرهم ممن يدعون قدرتهم الإتيان بأمور خارقة وأفعال باهرة، وبهذه الفوارق يتضح لنا بجلاء أن معجزة واحدة يأتي بها النبي كافية في الإيمان به والتصديق بخبره والطاعة لأمره، فكيف إذا كان الحال وقد كثرت المعجزات وزادت حتى بلغت المئات وشهدها ورأها من البشر الآلاف، وهذا هو حال رسولنا محمد
(1) 2 - هذه الفوارق ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه النبوات.