فيه خلاف، لكن هدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، فقالوا: إنه وجه حقيقي، لأن الله تعالى قال: { ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام } (الرحمن: 27) ، ولما أراد غير ذاته، قال: { تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام } (الرحمن: 78) فـ (ذي) صفة لرب وليست صفة لاسم، و (ذو) صفة لوجه وليست صفة لرب، فإذا كان الوجه موصوفا بالجلال والإكرام، فلا يمكن أن يراد به الثواب أو الجهة أو الذات وحدها، لأن الوجه غير الذات.
وقال أهل التعطيل: أن الوجه عبارة عن الذات أو الجهة أو الثواب، قالوا: ولو أثبتنا لله وجها حقيقيًا للزم أن يكون جسما، والأجسام متماثلة، ويلزم من ذلك إثبات المثل لله - - عز وجل - -، والله تعالى يقول: { ليس كمثله شيء } (الشورى: 11) ، وإثبات المثل تكذيب للقرآن، وأنتم يا أهل السنة تقولون: إن من اعتقد أن لله مثيلا فيما يختص به فهو كافر، فنقول لهم:
أولا: ما تعنون بالجسم الذي فررتم منه، أتعنون به المُركّب من عظام وأعصاب ولحم ودم بحيث يفتقر كل جزء منه إلى الآخر؟ إن أردتم ذلك، فنحن نوافقكم أن الله ليس على هذا الوجه ولا يمكن أن يكون كذلك، وإن أردتم بالجسم الذات الحقيقية المتصفة بصفات الكمال، فلا محذور في ذلك، والله تعالى وصف نفسه بأنه أحد صمد، قال تعالى: { قل هو الله أحد - الله الصمد } (الإخلاص: 1-2) ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: الصمد: الذي لا جوف له (1) .
ثانيا: قولكم: إن الأجسام متماثلة قضية من أكذب القضايا، فهل جسم الدب مثل جسم النملة؟ فبينهما تباين عظيم في الحجم والرقة واللين وغير ذلك.
فإذا بطلت هذه الحجة بطلت النتيجة وهي استلزام مماثلة الله لخلقه.
ونحن نشاهد البشر لا يتفقون في الوجوه، فلا تجد اثنين متماثلين من كل وجه ولو كانا توأمين، بل قالوا: إن عروق الرجل واليد غير متماثلة من شخص إلى آخر.
(1) ابن جرير (30/ 742) .