فظن غير الحق بالله منافٍ للتوحيد، وقد يكون منافيا لكمال التوحيد، فمنه ما يكون صاحبه خارجًا عن ملة الإسلام أصلا، كظن غير الحق بالله تعالى في بعض مسائل القدر كما سيأتي، ومنه ما هو منافٍ لكمال التوحيد كعدم الإيمان بالحكمة، أو بأفعال الله -جل وعلا- المنوطة بالعلل، التي هي منوطة بحكمته سبحانه البالغة.
ولهذا قال -جل وعلا-: { قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ } (الأنعام: 149) ، في الرد على القدرية المشركة، وقد قال أيضا -جل وعلا-: { حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ } (القمر: 5) . فالله -جل وعلا- موصوف بكمال الحكمة، وكمال الحمد على أفعاله؛ لأن أفعال الله -جل وعلا- قسمان:
أفعال ترجع إلى الحكمة والعدل، وأفعال ترجع إلى الفضل والنعمة والرحمة والبر بالخلق.
فالله -جل وعلا- يفعل هذا وهذا، وحتى أفعاله التي هي أفعال بر وإحسان هي منوطة بالحكم العظيمة، وكذلك الأفعال التي قد يظهر للبشر أنها ليست في صالحهم، أو ليست موافقة للحكمة، فإن ظن الحق بالله -جل وعلا- أن يُظن به، وأن يُعتقد أنه ليس ثَمَّ شيء من أفعاله إلا وهو موافق لحكمته -جل وعلا- العظيمة، إذ هو العزيز القهار، الفعال لما يريد.
فالواجب -تحقيقا للتوحيد- أن يظن العبد بالله -جل وعلا- ظن الحق، وأما ظن السوء فهو ظن الجاهلية، الذي هو منافٍ لأصل التوحيد في بعض أحواله، أو منافٍ لكمال التوحيد.
فترجم المؤلف -رحمه الله - بهذا الباب ليبين أن ظن السوء بالله -جل وعلا- من خصال أهل الجاهلية، وهو منافٍ لأصل التوحيد، أو منافٍ لكماله بحسب الحال.
(ق) : ذكر المؤلف في هذا الباب آيتين:
الأولى: قوله تعالى: { يظنون } . الضمير يعود على المنافقين، والأصل في الظن: أنه الاحتمال الراجح، وقد يطلق على اليقين، كما في قوله تعالى: { الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم } (البقرة: 46) ، أي: يتيقنون، وضد الراجح المرجوح، ويسمى وهما.