فهرس الكتاب
فالرياء مشتق من الرؤية، فما كان من جهة الرؤية، يعني: أن يحسن عبادة لأجل أن يُرَى من المتعبدين، يطيل في صلاته، يطيل في ركوعه في سجوده، يقرأ في صلاته أكثر من العادة من أجل أن يُرَى ذلك منه، يقوم الليل لأجل أن يقول الناس عنه أنه يقوم الليل، هذا شرك أصغر، والشرك الأصغر هذا الذي هو الرياء قد يكون محبطا لأصل العمل الذي تعبد به، وقد يكون محبطا للزيادة التي زادها؛ فيكون محبطا لأصل العمل الذي تعبد به إذا ابتدأ النية بالرياء، يعني: فيما لو صلى دخل الصلاة لأجل أن يُرى أنه يصلي، ليس عنده رغبة في أن يصلي الراتبة، لكن لما رأى أنه يُرى، ولأجل أن يمدح بما يراه الناس منه صلى، فهذا عمله يعني: تلك الصلاة حابطة، ليس له فيها ثواب، وإن جاء الرياء في أثناء العبادة، فإن ما زاده لأجل الرؤية يبطل، كما قال عليه -الصلاة والسلام-: { قال الله -تعالى-: أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه } (1) . فالشاهد من الحديث قوله -عليه الصلاة والسلام-: (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر) هو أخوف الذنوب التي خافها النبي -عليه الصلاة والسلام- على أهل التوحيد؛ لأنهم ما داموا أهل توحيد، فإنهم ليسوا من أهل الشرك الأكبر، فبقي أن يخاف عليهم الشرك الأصغر، والشرك الأصغر تارة يكون في النيات، وتارة يكون في الأقوال، وتارة يكون في الأعمال، يعني: في القلب يكون الشرك الأصغر، وفي المقال، وفي الفعال -أيضا-، وسيأتي في هذا الكتاب بيان أصناف من كل واحدة من هذه الثلاث. إذن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر) فهو أخوف الذنوب على هذه الأمة؛ لماذا خافه -عليه الصلاة والسلام -، وكان أعظم الذنوب خوفا؟ لأجل أثره وهو أنه لا يغفر، ولأجل أن الناس قد يغفلون عنه؛ ولهذا خافه عليهم -عليه الصلاة والسلام-، والشيطان حرصه على أهل التوحيد أن يدخل فيهم الشرك الأصغر من جهة
(1) مسلم: حديث (2985)