(ق) : قوله: (إن من البيان) . (إن) : حرف توكيد، ينصب الاسم ويرفع الخبر، و (من) : يحتمل أن تكون للتبعيض، ويحتمل أن تكون لبيان الجنس؛ فعلى الأول يكون المعنى: إن بعض البيان سحر وبعضه ليس بسحر، وعلى الثاني يكون المعنى: إن جنس البيان كله سحر.
قوله: (لسحر) . اللام للتوكيد، و (سحرا) : اسم إن.
والبيان: هو الفصاحة والبلاغة، وهو من نعمة الله على الإنسان، قال تعالى: (خلق الإنسان *علمه البيان) (الرحمن: 3-4) .
والبيان نوعان.
الأول: بيان لابد منه، وهذا يشترك فيه جميع الناس، فكل إنسان إذا جاع قال: إني جعت، وإذا عطش قال: إني عطشت، وهكذا.
الثاني: بيان بمعنى الفصاحة التامة التي تسبي العقول وتغير الأفكار، وهي التي قال فيها الرسول - صلى الله عليه وسلم: (إن من البيان لسحرا) .
وعلى هذا التقسيم تكون (من) للتبعيض؛ أي: بعض البيان - وهو البيان الكامل الذي هو الفصاحة - سحر.
أما إذا جعلنا البيان بمعنى الفصاحة فقط؛ صارت (من) لبيان الجنس.
ووجه كون البيان سحرا: أنه يأخذ بلب السامع، فيصرفه أو يعطفه، فيظن السامع أن الباطل حق لقوة تأثير المتكلم، فينصرف إليه، ولهذا إذا أتى إنسان يتكلم بكلام معناه باطل، لكن لقوة فصاحته وبيانه يسحر السامع حقا، فينصرف إليه، وإذا تكلم إنسان بليغ يحذر من حق، ولفصاحته وبيانه يظن السامع أن هذا الحق باطل، فينصرف عنه، وهذا من جنس السحر الذي يسمونه العطف والصرف، والبيان يحصل به عطف وصرف؛ فالبيان في الحقيقة بمعنى الفصاحة، ولاشك أنها تفعل فعل السحر، وابن القيم يقول عن الحور: حديثها السحر الحلال.