ومن جعل اعتماده على الله ملغيا للأسباب، فقد طعن في حكمة الله ، لأن الله جعل لكل شيء سببا، فمن اعتمد على الله اعتمادا مجردا، كان قادحا في حكمة الله ، لأن الله حكيم، يربط الأسباب بمسبباتها، كمن يعتمد على الله في حصول الولد وهو لا يتزوج.
والنبي - صلى الله عليه وسلم - أعظم المتوكلين، ومع ذلك كان يأخذ بالأسباب، فكان يأخذ الزاد في السفر، ولما خرج إلى أُحد ظاهر بين درعين، أي: لبس درعين اثنين (1) ولما خرج مهاجرا أخذ من يدله الطريق (2) ولم يقل سأذهب مهاجرا وأتوكل على الله ، ولن أصطحب معي من يدلني الطريق، وكان - صلى الله عليه وسلم - يتقي الحر والبرد، ولم ينقص ذلك من توكله.
ويذكر عن عمر رضي الله عنه أنه قدم ناس من أهل اليمن إلى الحج بلا زاد، فجيء بهم إلى عمر، فسألهم فقالوا: نحن المتوكلون على الله . فقال: لستم المتوكلين، بل أنتم المتواكلون.
والتوكل نصف الدين ولهذا نقول في صلاتنا { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } (الفاتحة: 5) ، فنطلب من الله العون اعتمادا عليه سبحانه بأنه سيعيننا على عبادته.
(1) صحيح: رواه أبو داود: كتاب الجهاد: باب في لبس الدروع، حديث (2590) ، الإمام أحمد في (المسند) (3/ 449) ، وابن ماجة، حديث (2806) ، وصححه الشيخ الألباني في صحيح أبي داود.
(2) البخاري: كتاب الإجارة / باب استئجار المشركين عند الضرورة أو إذا لم يوجد أهل الإسلام …، حديث (2263) .