فهرس الكتاب
لقد كان سويفت نفسه على ما يبدو مهووسًا بآنية الأحداث، الأمر الذي يعلل لا اهتمامه الأبدي بالمحادثة (وهي حدث كلامي) وحسب بل ويعلل عنايته المفرطة بالتاريخ، باللغة الصحيحة، وشكه الجامح بكل شيء إن لم تتوكد صحته بالخبرة المباشرة. فالصورة التي رسمها دكتور جونسون عن بوب، وهو يكتب الرسائل بعين يقظة ترنو لنشرها مستقبلًا، تتوازن بشكل جميل بالتكتة الخبيثة في كتابه المعنون بـ"حياة سويفت"الذي يتأمل فيه العميد تشكيك رجل عجوز بعبقرية ذلك الشاب الذي أصدر"حكاية حوض"، وهي حدث فرويد، وفعلًا فإن معظم القصص المشكوك بصحتها عن سويفت، سواء أجاءت على لسان السيدة بيلكينغتون أو جونسون أو نيكولاس، فيها انقطاع عجيب بالنسبة لهم. وفي نفس الحكاية نسخة منها لسويفت تناقض النسخة الثانية: وهكذا فإن السيدة بيلكينغتون تروي حكايات عن قذارة سويفت قذارة لا مسوغ لها وتروي معها حكايات أخرى يظهر فيها من أنبل بني البشر، وإن من المؤكد أن هذه الحكايات تعود إلى سويفت، بيد أن مقدار أمانتها عن سويفت مقدار بين بين، إذ كان يبدو لهذا الإنسان رجلًا حيويًا بشكل ديناميكي ورجلًا معقدًا، ولذاك رجلًا استطراديًا معه، وأخيرًا تلك الشخصية التي تهيمن بشكل مؤثر جدًا على أشعار ييتس أو روايات جويس أو على الأعمال الكاملة لصاموئيل بيكيت. إن الفجوة بين ما قاله أو فعله سويفت عمليًا وبين ما كان بالإمكان قوله عنه هي تمامًا نفس تلك الفجوة التي تقوم بين كلمات منطوقة من أجل مناسبة ما بالتحديد وبين كلمات مدونة كتابيًا ابتعدت عن مناسبتها تمامًا. فالفرق يكون بين أحداث دقيقة، وحتى بغيضة في بعض الأحيان، وبين عقبول مباح يلتمس التأويل وإعادة التركيب.