فهرس الكتاب
فبالنسبة لسويفت، وبالنسبة للناقد، تبدو الفروق بين النصين فروقًا أدبية ثانوية ليس إلا، أنها بالأساس فروق لغوية ووجودية- وها أنذا أستخدم هذه الكلمة مترددًا. فمنزلة الكتابة في الدنيا تبدلت بتبدل منزلة الواقع السياسي والتاريخي. إن سويفت يحاكي، في"حكاية حوض"التسلية، في حين أنه في المقطوعة التالية تحول بعمله إلى التسلية فعلًا. فكل عمل من العملية من إنتاج ecrivain، ولو لأسباب مختلفة. وبما أن سويفت كان على أشد التصاق بذلك النظام الذي، كما ظن، في صلبه انصبت جهوده وشاركت فيه، فإن كتابته حافظت على موقع سام أعلى من موقع كل الكتابات الأخرى بين عام 1710 وعام 1714، فسياسة حزب المحافظين التي كان يؤازرها سويفت ويكتب عنها كانت سياسة في دنيا الواقع: فهنا كان ecrivant. وأما معارضة حزب الأحرار فقد كانت مجرد تصور، مجرد خربشة. وهذا ما كان على الدوام أساس استراتيجيته. ولكن بعد عام 1714 لم يشغل سويفت أي موقع عدا موقع اللامنتمي من تلك الآلة المتراصة لحزب الأحرار، فها هو قد أضحى ذلك الناسخ المخربش والإنسان الذي يعد المشاريع الذهنية والذي جسده ذات مرة (في حكاية حوض) وهاجمه (في الفاحص وفي أي مكان آخر) .
إن بعض الأعمال الحديثة المتعلقة بالبحث التاريخي من أمثال (أصول الاستقرار السياسي: انكلترا، 1675- 1725 لكاتبه ج. هـ. بلوم، والثورة المالية لبيتر ديكسون، وبلينغ بروك وحلقته لإسحاق كرامنيك) تبرر إحساس سويفت بالضياع. فمن وجوه عديدة تبدلت إنكلترا بعد عام 1714، بيد أن التبدل الأساسي كان في أن السلطة السياسية لم تعد تناط بشخصيات مرموقة وإنما بالآلة اللاشخصية للبيروقراطية التي استنبطها والبول وأوصلها إلى حد الكمال.