فهرس الكتاب
إن المفكرين يتعاملون بتهريب الأفكار: وهذا تعريفهم بأقل ما يقال. وأما في العصور الحديثة فإن المفكرين فطنة الأخرين بأنهم يلعبون ذلك الدور الهام المتمثل بإضفاء الشرعية والرواج على الأفكار وعلاوة على ذلك هنالك موروث طويل من المفكرين كونهم من الدعاة لترويج المكعرفة والقيم المفيدة ، وهم لأنهم كذلك فطنة الممثلين لنوع من الضمير، كحراس للقيم، للمجتمع الذي يعملون فيه. وهذا بمنتهى الوضوح هو التصور الذي كان يحمله في ذهنه جوليان بيندا حين نشر"خيانة المتعلمين المأمورين" (La Trahison des clercs) في عام 1928. وإن التعريف الذي ساقه بيندا للمفكر تعريف بالغ الضيق والمثالية بلا أدنى شك، غير أن حجته دفاعًا عن وجوب التزام المفكرين بالقيم المطلقة وبقول الحقيقة بصرف النظر عن النتائج المادية لحجة تنطوي على إغراء قوي. فواجب المفكرين، كما يقول:"يكمن تحديدًا في إقامة جمعية دينها الوحيد دين العدالة والحقيقة لمقاومة الشعوب والظلم الذي يئنون تحت وطأته جراء دياناتهم على سطح هذه المعمورة" (5) ، وهنالك أصداء للتهمة التي وجهها بيندا للمفكرين الذين خانوا قضيتهم ووضعوها تحت إمرة الأهواء الطاغية لدولة وطبقة وعرق في كل ما كان يكتبه نوعام تشومسكي طيلة العقد الماضي (6) .