فهرس الكتاب
وقال تعالى في حق نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -: { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ } (1) .
فالنصيحة للحكام تكون بالطرق الكفيلة لوصولها إليهم من غير أن يصاحبها تشهير أو يصاحبها استنفار لعقول الناس السذج والدهماء ، والنصيحة تكون سرًا بين الناصح وبين ولي الأمر، إما بالمشافهة، وإما بالكتابة له، وإما أن يتصل به ويبين له هذه الأمور، ويكون ذلك بالرفق، ويكون ذلك بالأدب المطلوب.
أما الذم لولاة الأمور على المنابر، وفي المحاضرات العامة، فهذه ليست نصيحة، هذا تشهير، وهذا زرع للفتنة، والعداوة بين الحكام وشعوبهم، وهذا يترتب عليه أضرار كبيرة، قد يتسلط الولاة على أهل العلم وعلى الدعاة بسبب هذه الأفعال، فهذه تفرز من الشرور ومن المحاذير أكثر مما يظن فيها من الخير.
فلو رأيت على شخص عادي ملاحظة أو وقع في مخالفة ثم ذهبت إلى الملأ وقلت: فلان عمل كذا وكذا لاعتبر هذا من الفضيحة وليس من النصيحة، والنبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ( من ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة ) (2) ، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد أن ينبه على شيء لا يخص قومًا بأعيانهم بل يقول: ( ما بال أقوام قالوا كذا وكذا ) (3) ؛ لأن التصريح بالأسماء يفسد أكثر مما يصلح، بل ربما لا يكون فيه صلاح، بل فيه مضاعفة سيئة على الفرد وعلى الجماعة.
وطريق النصيحة معروف، وأهل النصيحة الذين يقومون بها لا بد أن يكونوا على مستوى من العلم والمعرفة، والإدراك والمقارنة بين المضار والمصالح، والنظر في العواقب، ربما يكون إنكار المنكر منكرًا كما قال شيخ الإسلام رحمه الله (4)
(1) ... آل عمران: 159 .
(2) ... مسلم: ( 2699 ) .
(3) ... مسلم: ( 1401 ) .
(4) ... قال ابن تيمية قيل: (( ليكن أمرك بالمعروف، بالمعروف، ونهيك عن المنكر غير منكر ) ).
= ... وقال سفيان الثوري: (( لا يأمر بالمعروف ولا ينهي عن المنكر إلا من كان فيه ثلاث خصال: رفيق بما يأمر، رفيق بما ينهي، عدل بما يأمر، عدل بما ينهي، عالم بما يأمر، عالم بما ينهي ) )"رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"لابن تيمية: ( 7، 19 ) .