فهرس الكتاب
نحن - ولله الحمد - على ثقة من ولاة أمرنا، وعلى ثقة من المنهج الذي نسير عليه، وليس معنى هذا أننا قد كَمُلنا، وأن ليس عندنا نقص ولا تقصير، بل عندنا نقص؛ ولكن نحن في سبيل إصلاحه وعلاجه - إن شاء الله - بالطرق الشرعية .
وفي عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وُجِد من يسرق، ووُجِد من يزني، ووُجِد من يشرب الخمر، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقيم عليهم الحدود .
نحن - ولله الحمد - تُقام عندنا الحدود على من تَبَيَّن وثبت عليه ما يوجب الحد، ونقيم القصاص في القتلى، هذا - ولله الحمد - خير (1) ولو
كان هناك نقص، النقص لا بد منه لأنه من طبيعة البشر .
ونرجو الله - تعالى - أن يصلح أحوالنا، ويعيننا على أنفسنا، وأن يسدد خطانا، وأن يكمل نقصنا بعفوه .
أما أننا نتخذ من العثرات والزلات سبيلًا لتنقُّص ولاة الأمور، أو الكلام فيهم، أو تبغيضهم إلى الرعية؛ فهذه ليست طريقة السلف أهل السنة والجماعة (2)
(1) ... وهذا ملموس في بلادنا، متمثلًا في محاكمنا، ولا ينكره إلا من أعمى الله بصيرته، أو رجل في قلبه مرض وهوى، نسأل الله العافية .
(2) ... سئل سماحة العلامة: عبدالعزيز بن باز، في محاضرة ألقاها في مدينة الطائف بعنوان:"آفات اللسان"في 29/2/1413هـ ، وقد طُبع هذا الكلام في آخر كتاب صغير اسمه:"حقوق الراعي والرعية"، والذي يتضمن بعض الخطب لفضيلة الشيخ: محمد العثيمين - رحمه الله -، وقد أفرد كلام سماحة الشيخ - عبدالعزيز - رحمه الله - في كتاب، وسمه جامعه بـ"المعلوم من واجب العلاقة بين الحاكم والمحكوم".
... قال السائل: هل من منهج السلف نقد الولاة من فوق المنابر؟، وما منهج السلف في نصح الولاة ؟ .
... فأجاب: (( ليس من منهج السلف التشهير بعيوب الولاة وذِكر ذلك على المنابر؛ لأن ذلك يفضي إلى الخوض في الذي يضر ولا ينفع، ولكن الطريقة المتبعة عند السلف: النصيحة فيما بينهم وبين السلطان، والكتابة إليه، والاتصال بالعلماء الذين
... يتصلون به، حتى يوجَّه إلى الخير )) انظر (ص: 27 ) من كتاب حقوق الراعي والرعية، المعلوم من واجب العلاقة بين الحاكم والمحكوم: ( 22 ) .
وقال فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين في الكتاب نفسه المشار إليه، صفحة (11) : (( ومن حقوق الرعاة على رعيتهم: أن يناصحوهم ويرشدوهم، وأن لا يجعلوا من خطئهم إذا أخطأوا سُلَّمًا للقدح فيهم، ونشر عيوبهم بين الناس؛ فإن ذلك يوجب التنفير عنهم، وكراهتهم، وكراهة ما يقومون به من أعمال وإن كانت حقًا، ويوجب عدم السمع والطاعة لهم . ... =
= ... وإن من الواجب على كل ناصح - وخصوصًا من ينصح ولاة الأمر - أن يستعمل الحكمة في نصيحته، ويدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة )) ا هـ .
وهؤلاء العلماء الأجلاء يستمدون كلامهم من هدي الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وعلى فهم السلف الصالح، ومن ذلك ما جاء في الأحاديث الصحيحة:
فقد أخرج أحمد في المسند: ( 3/404 ) ، وابن أبي عاصم في السنة: ( 1096 ) ، والحاكم في المستدرك: ( 3/290 ) وأورده الهيثمي في"المجمع": ( 5/229-230 ) بلفظ: (( من أراد أن ينصح ... ) )، من حديث عياض بن غنم - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (( من كانت عنده نصيحة لذي سلطان فلا يكلمه بها علانية، وليأخذ بيده وليخل به؛ فإن قبلها قبلها، وإلا كان قد أدى الذي عليه والذي له ) ). والسياق للحاكم، وهو حديث حسن .
وروى البخاري في"صحيحه"من حديث أبي وائل شقيق رقم ( 3094، 6675) ، ومسلم رقم ( 2989:(( قيل لأسامة: لو أتيت فلانًا - وفي رواية لمسلم: ألا تدخل على عثمان فتكلّمه؟ -، قال: إنكم لترون أني لا أكلمه إلا أُسمعكم !، إني أكلمه في السّر. - وفي رواية مسلم: والله لقد كلمته فيما بيني وبينه - دون أن أفتح بابًا لا أكون أوّل من فتحه ) ).
... قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله -: ( قال المهلّب: أرادوا من أسامة أن يكلم عثمان، وكان من خاصته، وممن يختلف عليه في شأن الوليد بن عقبة، لأنه كان ظهر عليه ريح نبيذ، وشهر أمره، وكان أخا عثمان لأمه، وكان يستعمله، فقال أسامة:(( قد كلمته سرًا دون أن أفتح بابًا ) )أي: باب الإنكار على الأئمة علانية، خشية أن تفترق الكلمة .
وقال عياض: مراد أسامة: أنه لا يفتح باب المجاهرة بالنكير على الإمام؛ لما يخشى من عاقبة ذلك، بل يتلطّف به، وينصحه سرًا، فذلك أجدر بالقبول ) .
"الفتح": ( 13/52 ) .
أقول: وهذا إمام أهل السنة"الإمام: أحمد بن حنبل - رحمه الله -"يُضرب
= ... بالسياط،ويُسحب، ويُسجن على مسألة خلق القرآن، ومع هذا لم نجد له ولا حتى أثر ضعيف يحث فيه على الخروج على الحاكم الفاسق الظالم؛ بل الآثار عنه بالأمر بالصبر ولزوم الطاعة والجماعة مستفيضة وكثيرة جدًا وكان يقول: (( يا أمير المؤمنين ) )هل كان يقول ذلك تزلفًا أو جُبنًا ؟!! .
أليس لنا في سلفنا الصالح أسوة ؟ . أم نحن أعلم منهم وأشجع ؟ !! .
قال الإمام ابن رجب الحنبلي في كتابه:"جامع العلوم والحكم": (( والنصيحة لأئمة المسلمين: معاونتهم على الحق، وطاعتهم فيه، وتذكيرهم به، وتنبيههم في رفق ولطف، ومجانبة الوثوب عليهم، والدعاء له بالتوفيق، وحث الأغيار على ذلك ) )ا هـ ص: ( 113 ) .
وقال الإمام الشوكاني في كتابه:"رفع الأساطين في حكم الاتصال بالسلاطين"ما نصه: (( وقد ثبت في الكتاب العزيز الأمر بطاعة ولي الأمر، وجعل الله أولي الأمر وطاعتهم بعد طاعة الله سبحانه وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وتواتر في السنة المطهرة - في الأمهات وغيرها - أنها تجب الطاعة لهم والصبر على جورهم، وفي بعض الأحاديث المشتملة على الأمر بالطاعة لهم، أنه قال - صلى الله عليه وسلم -: (( وإن ضر ظهرك، وأخذ مالك ) ).
وصح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (( أعطوهم الذي لهم، واسألوا الله الذي لكم ) ).انتهى كلام الشوكاني ص: ( 81-82 ) .