الصفحة 158 من 230

أيّها المسلم: إنّما أُريدُ لكَ الهداية، وهاأنذا أهبُكَ مفاتيحَ الحقيقة، فخذها بقوّة حتّى لا تُعييكَ أقفالُ العالم، وإنّي أنبّئُكَ بما ستلاقيه، فقِفْ على كلماتي وعِ ما أنا قائلُهُ لك، فإنّهُ لا ينبّئُكَ مثلُ خبير.

أيّها المسلم: لا ترضَ لكرامتِكَ ثمنًا، وحاذرْ أنْ تعرضَها في سوقِ البيع، فإنّها الجذوةُ التي تملأُ صدرَكَ بأسبابِ الحياةِ والنّصر، وإنّها عطيّةُ اللهِ لك ومِنحتُهُ التي شرّفَكَ بها فلا تساومْ على ما في صدرِكَ من السّرِّ العظيم، فإنّهُ سبحانَهُ القائل (( ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ) ).

فما بالُكَ بنفسِكَ وأنتَ خيرُ الآدميّين:

مَنْ يُصيِّرْ حُسنَهُ رهنَ المزادْ --- يسرعِ الشّرُّ لهُ من كلِّ وادْ

فلا تخفِرْ ذمّةَ اللهِ فيكَ ولا تضيّعْ هبتَهُ سدىً، وأحطها بالعنايةِ والمداراة، فإنّ في ضياعها الخسرانَ المبين.

واعلمْ أنّهُ لا سيادةَ بلا كرامة، وأنّهُ إذا سقطتْ كرامتُك لم تكنْ أهلًا للخلافة في الأرض.

واعلمْ أنّ (النّيابةَ الإِلهيّةَ في هذه الدّنيا هي أعلى درجاتِ الرُّقيّ الإنسانيّ ونائب الحقّ(الله) خليفةُ الله في الأرض، وهي أكملُ ذاتٍ تطمحُ إليها الإنسانيّة، وهي معراجُ الحياةِ الرّوحيّ).

فلا تنقضْ عهدكَ مع الله فيخلو مقامُك، وتنزلكَ الدّنيا في سافلِ أدراكِها، فإنّ هذا من انطماسِ عين بصيرتك، وفيه الهوان في الدّنيا والخزيُ يومَ يقوم النّاسُ لربِّ العالمين:

أنتَ نورٌ فأضئ للعالمينْ --- بلهيبٍ منكَ أذكِ الآخرينْ

أيّها المسلم: لا تبتئسْ إذا ما عشتَ فقيرًا، فإذا صفتِ الرّوح من الخطأ، وبرئتِ الجوارحُ من الانقيادِ وراءه فذلك هو الغنى، فإنّ رسولَ الله صلّى اللهُ عليه وسلّم يقول: «ليسَ الغنى عن كثرةِ العَرَض، ولكنّ الغنى غنى النّفس» .

فإذا أدركتَ جوهرَ هذا الكلام، وقعَ في قلبكَ معنى الرّضا بالقضاء، فإذا ما تحسّستْ منك الجوارحُ بردَ الرّضا فذلك هو الغنى الحقّ.

ولقد أغناكَ اللهُ من عنده يومَ أنْ نسبَكَ إليه، فلا تخترْ على اللهِ أحدًا، وقبلكَ من أهلِه فلا ترغبْ عنهُ بدلًا، فإنّ ثراءَ القلبِ وسرورَهُ في جوارِ محبوبِهِ الأوحدْ، وإنّ غنى الرّوح في وقوفها على بابِ الفردِ الصّمدْ.

رفعَكَ بالنّسبةِ وأغناكَ بالمحبّة، وجلّلكَ بالقربِ والقَبول، فهلْ ترى بعدُ غنىً أكبرَ من هذا أو ثراءً أبعدْ:

وممّا زادني شرفًا وتيهًا --- وكدتُ بأخمصي أطأُ الثّريّا

دخولي تحتَ قولِكُ يا عبادي --- وأن صيّرتَ أحمدَ لي نبيّا

فإذا أحببتَ أنْ تكونَ غنيًّا فكنْ فقيرًا إلى الله، منكسرًا على بابه، متذلّلًا في أعتابه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت