الصفحة 70 من 230

إنه أمر هائل عظيم. . ولكنه كذلك. . ومن ثم كان الرسل - صلوات الله عليهم - يحسون بجسامه ما يكلفون. وكان الله - سبحانه - يبصرهم بحقيقة العبء الذي ينوطه بهم. . وهذا هو الذي يقول الله عنه لنبيه: (إنا سنلقي عليك قولا ثقيلًا) . . ويعلمه كيف يتهيأ له ويستعد: (يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا. نصفه أو انقص منه قليلا. أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا. . إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا) . . (إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا. فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفورا. واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا. ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا) . . وهذا هو الذي يشعر به نبيه صلى الله عليه وسلم وهو يأمره أن يقول وأن يستشعر حقيقة ما يقول: قل: إني لن يجيرني من الله أحد , ولن أجد من دونه ملتحدا. . إلا بلاغا من الله ورسالاته. {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا} الجن26

وهو سبحانه عالم بما غاب عن الأبصار, فلا يظهر على غيبه أحدًا من خلقه، {إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا} الجن27

إلا من اختاره الله لرسالته وارتضاه، فإنه يُطلعهم على بعض الغيب، ويرسل من أمام الرسول ومن خلفه ملائكة يحفظونه من الجن; لئلا يسترقوه ويهمسوا به إلى الكهنة;. . {لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا} الجن28

ليعلم الرسول صلى الله عليه وسلم, أن الرسل قبله كانوا على مثل حاله من التبليغ بالحق والصدق، وأنه حُفظ كما حُفظوا من الجن, وأن الله سبحانه أحاط علمه بما عندهم ظاهرًا وباطنًا من الشرائع والأحكام وغيرها, لا يفوته منها شيء, وأنه تعالى أحصى كل شيء عددًا، فلم يَخْفَ عليه منه شيء ..

إنه الأمر الهائل العظيم. . أمر رقاب الناس. . أمر حياتهم ومماتهم. . أمر سعادتهم وشقائهم. . أمر ثوابهم وعقابهم. . أمر هذه البشرية , التي إما أن تبلغ إليها الرسالة فتقبلها وتتبعها فتسعد في الدنيا والآخرة. وإما أن تبلغ إليها فترفضها وتنبذها فتشقى في الدنيا والآخرة. وإما ألا تبلغ إليها فتكون لها حجة على ربها , وتكون تبعة شقائها في الدنيا وضلالها معلقة بعنق من كلف التبليغ فلم يبلغ!

فأما رسل الله - عليهم الصلاة والسلام - فقد أدوا الأمانة وبلغوا الرسالة , ومضوا إلى ربهم خالصين من هذا الالتزام الثقيل. . وهم لم يبلغوها دعوة باللسان , ولكن بلغوها - مع هذا - قدوة ممثلة في العمل , وجهادا مضنيا بالليل والنهار لإزالة العقبات والعوائق. . سواء كانت هذه العقبات والعوائق شبهات تحاك , وضلالات تزين , أو كانت قوى طاغية تصد الناس عن الدعوة وتفتنهم في الدين. كما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين. بما أنه المبلغ الأخير. وبما أن رسالته هي خاتمة الرسالات. فلم يكتف بإزالة العوائق باللسان. إنما أزالها كذلك بالسنان {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَوا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ} البقرة193

واستمروا- أيها المؤمنون- في قتال المشركين المعتدين, حتى لا تكون فتنة للمسلمين عن دينهم ولا شرك بالله, ويبقى الدين لله وحده خالصًا لا يُعْبَد معه غيره. فإن كفُّوا عن الكفر والقتال فكُفُّوا عنهم; فالعقوبة لا تكون إلا على المستمرين على كفرهم وعدوانهم .. .

وبقي الواجب الثقيل على من بعده. . على المؤمنين برسالته. . فهناك أجيال وراء أجيال جاءت وتجيء بعده صلى الله عليه وسلم وتبليغ هذه الأجيال منوط - بعده - بأتباعه. ولا فكاك لهم من التبعة الثقيلة - تبعة إقامة حجة الله على الناس ; وتبعة استنقاذ الناس من عذاب الآخرة وشقوة الدنيا - إلا بالتبليغ والأداء. . على ذات المنهج الذي بلغ به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأدى. . فالرسالة هي الرسالة ; والناس هم الناس. . وهناك ضلالات وأهواء وشبهات وشهوات. . وهناك قوى عاتية طاغية تقوم دون الناس ودون الدعوة ; وتفتنهم كذلك عن دينهم بالتضليل وبالقوة. . الموقف هو الموقف ; والعقبات هي العقبات , والناس هم الناس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت