فهرس الكتاب
قل -أيها الرسول- للنصارى: لا تتجاوزوا الحقَّ فيما تعتقدونه من أمر المسيح, ولا تتبعوا أهواءكم, كما اتَّبع اليهود أهواءهم في أمر الدين, فوقعوا في الضلال, وحملوا كثيرًا من الناس على الكفر بالله, وخرجوا عن طريق الاستقامة إلى طريق الغَواية والضلال.
فهو الغلو إذن وتجاوز الحد والحق , هو ما يدعو أهل الكتاب هؤلاء إلى أن يقولوا على الله غير الحق ; فيزعموا له ولدا - سبحانه - كما يزعمون أن الله الواحد ثلاثة. .
وقد تطورت عندهم فكرة البنوة , وفكرة التثليث , حسب رقي التفكير وانحطاطه. ولكنهم قد اضطروا أمام الاشمئزاز الفطري من نسبة الولد لله , والذي تزيده الثقافة العقلية , أن يفسروا البنوة بأنها ليست عن ولادة كولادة البشر. ولكن عن"المحبة"بين الآب والابن. وأن يفسروا الإله الواحد في ثلاثة. . بأنها"صفات"لله سبحانه في"حالات"مختلفة. . وإن كانوا ما يزالون غير قادرين على إدخال هذه التصورات المتناقضة إلى الإدراك البشري. فهم يحيلونها إلى معميات غيبية لا تنكشف إلا بانكشاف حجاب السماوات والأرض.
والله - سبحانه - تعالى عن الشركة ; وتعالى عن المشابهة. ومقتضى كونه خالقا يستتبع. . بذاته. . أن يكون غير الخلق. . وما يملك إدراك أن يتصور إلا هذا التغاير بين الخالق والخلق. والمالك والملك. . وإلى هذا يشير النصر القرآني:
(إِنَّمَا اللّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ!! أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلًا) وإذا كان مولد عيسى - عليه السلام - من غير أب عجيبا في عرف البشر , خارقا لما ألفوه , فهذا العجب إنما تنششه مخالفة المألوف. والمألوف للبشر ليس هو كل الموجود. والقوانين الكونية التي يعرفونها ليست هي كل سنة الله. والله يخلق السنة ويجريها , ويصرفها حسب مشيئته. ولا حد لمشيئته.
والله - سبحانه - يقول - وقوله الحق - في المسيح:
ِ (إنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُوا بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُوا ثَلاَثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ .. )
فهو على وجه القصد والتحديد: (رسول الله) . .
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُوا عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُوا بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُوا ثَلاَثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلًا (171)
شأنه في هذا شأن بقية الرسل. شأن نوح وإبراهيم وموسى ومحمد , وبقية الرهط الكريم من عباد الله المختارين للرسالة على مدار الزمان. .
(وكلمته ألقاها إلى مريم)
وأقرب تفسير لهذه العبارة , أنه سبحانه , خلق عيسى بالأمر الكوني المباشر , الذي يقول عنه في مواضع شتى من القرآن: إنه (كن. . فيكون) . . فلقد ألقى هذه الكلمة إلى مريم فخلق عيسى في بطنها من غير نطفة أب - كما هو المألوف في حياة البشر غير آدم - والكلمة التي تخلق كل شيء من العدم , لا عجب في أن تخلق عيسى - عليه السلام - في بطن مريم من النفخة التي يعبر عنها بقوله:
(وروح منه) . .
وقد نفخ الله في طينة آدم من قبل من روحه. فكان"إنسانًا". . كما يقول الله تعالى: ( {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} ص72