فهرس الكتاب

الصفحة 552 من 689

631 -وإِذ قد عرفتَ ما قررناه من أنَّ من شأنِ الجملة أن يصير معناها بالبناء عليها شيئًا غيرَ الذي كان، وأنه يتغيِّر في ذاته، فاعلم أن ما كان من الشعر مثل بيت بشار:

كأن مثار النقع فوق روسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه1

وقول امرئ القيس:

كأنَّ قُلوبَ الطيرِ رَطْبًا ويابسًا ... لَدى وَكْرِها العناب والحشف البالي2

وقول زياد:

وإِنّا وما تُلقِي لَنا إنْ هجَوْتَنا ... لَكالبحر مَهْما يُلْقَ في البحرِ يَغْرَقِ3

كان له مزيةٌ على قول الفرزدق فيما ذكرنا، لأنك تجدُ في صدرِ بيتِ الفرزدق جملة تؤدي معنى، وإِن لم يكن معنى يصحُّ أن يقال إنه معنى فلان، ولا تجدُ في صدر هذه الأبيات ما يصح أن بعد جملة تؤدي معنى، فضلًا عن أن تؤدي معنى يقال إنه معنى فلان. ذاك لأن قولَه:"كأَنَّ مُثارَ النقع"إلى:"وأسيافنا"، جزءٌ واحدٌ و"ليل تهاوى كواكبه"بجملته الجزء الذي ما لم تأتِ به لم تكن قد أتيت بكلام.

وهكذا سبيل البيتين الآخرين. فقولهُ:"كأنَّ قُلوبَ الطيرِ رَطْبًا ويابسًا لدى وَكْرِها"جزءٌ وقولهُ:"العنابُ والحَشفُ البالي"الجزء الثاني وقوله:"وإنَّا وما تُلْقي لنا إِنْ هَجَوتَنا"جزء، وقوله:"لكالبحرِ، الجزء الثاني، وقولُه:"مهما تلقِ في البحر يغرقِ"، وإن كان جملة مستأنفة ليس لها في الظاهر تعلق بقوله:"لكالبحر"، فإِنها لما كانت مبيِّنة لحال هذه التشبيه، صارتْ كأنَّها متعلَّقة بهذا التشبيه، وجرى مجرى أن تقول:"كالبحر في أنَّه لا يُلقى فيه شيء إلا غرق"."

1 سلف في رقم: 84، 485.

2 سلف في رقم: 84.

3 سلف في رقم: 84.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت