-فيما يتعلق بالحالة الثانية: فإن الملاحظ أن كثيرًا من أقوال الصوفية ليست بأسانيد أصلًا، وما كان منها بأسانيد قد يكون البحث في صحتها مفيدًا، من حيث تبرئة بعض الأئمة مما نسب إليهم من القول الغالي في حال بطلان السند؛ غير أنه لا يفيد في تبرئة الفكر الصوفي من الانحراف، بعدما امتلأت مصنفات التصوف بهذه الأقوال على جهة التقرير والتأصيل؛ وذلك كافٍ في الحكم على التصوف، ووصفه بالوصف الذي يستحقه بحسب ما في تلك الأقوال من معانٍ.
غير أن مما قد يحتج به من لا يبرئ الأئمة أنفسهم مما نسب إليهم من الأقوال الغالية: ما جاء في تراجمهم من تعرضهم لإنكار العلماء، حتى لا تكاد تجد إمامًا صوفيًا إلا وقد تعرض للإنكار عليه من أهل العلم. أفلا ينم ذلك عن صدق ما نسب إليهم؟ (1) .
وفي كل حال نقول: إن الحكم والوصف إنما هو في حق الفكرة لا الأشخاص؛ فالفكر الصوفي ليس من الإسلام في شيء، وما عليه الفكر الصوفي من حق:
-إما أن يكون حقًا متفقًا عليه عند جميع العقلاء، سواء كانوا مؤمنين أو كافرين، كالصدق وعدم الكذب، وتوقير الكبير والضعيف، وعدم الغش، أو السرقة، أو الخيانة، ونحو ذلك..
-وإما أن يكون أصله مما جاء به الإسلام، كالاجتهاد في العبادات..ثم إن الصوفية زادوا فيها.
لكن ذلك لا يسوغ تصحيح التصوف وقبوله؛ فإن الاشتراك في الوصايا الإنسانية، أو في بعض ما جاءت به الشريعة لا يلزم منه التصحيح والقبول، إلا بشرط الاشتراك في الأصول الأساسية، وأصل دين الإسلام هو التوحيد الخالص لله وحده في: ربوبيته، وإلهيته. ومخالفة أية طائفة لهذا الأصل يقطع ما بينها وبين الإسلام من صلة، ولو اشتركت معه في أصل الزهد والذكر والمجاهدة.. إلخ.
* المسألة الثانية: تحليل موقف ابن تيمية من التصوف.
(1) انظر اللمع للطوسي، باب: ذكر جماعة المشايخ الذين رموهم بالكفر، ص 497.