يستطيع الداعية المسلم المخضرم ـ وبنظرة بسيطة ـ أن يسمح لنفسه بالتفاؤل العريض بعد دهر طويل من استيلاء أنواع من مشاعر الأسف عليه، فرضتها أفعال أعداء الإسلام تجاه الدعوة والتضييق الذي مورس عليها في العالم أجمع، ومبعث هذا التفاؤل أن الدعوة استطاعت ـ بحمد الله تعالى ـ أن تجتاز المصاعب، ونجحت في تثبيت جيل واسع من الدّعاة على الدّرب، وأجّجت فيهم معاني التحدي الذي هو أساس التربية الدعوية، ثم يلمس المتتبع لحال الدعوة الآن أنها انعطفت باهتمامات جيل الصحوة انعطافًا إيجابيًا مهمًا نقلته من التعميم إلى التخصيص، ومن الارتجال إلى التخطيط، وصارت القناعة تاّمة في جيل الصحوة الحاضرة بأن الفوضوية يجب أن تضع لنفسها حدًا لصالح المنهجية، وأن الرؤية المرحلية المحدودة ينبغي أن توغل في النظر الاستراتيجي البعيد الذي يصل إلى عمق المستقبل واستشرافه، وبات من المؤكد أن بقاء الدعوة الإسلامية في حلبة الصراع الشديد في العصر الحاضر متعلق بتحقيق نقلة تربوية وتخطيطية، ونقدية تفي بحاجاتنا، تستطيع الدعوة بوساطتها أن تشغل الطاقات الشبابية الزاخرة المضيئة بمعاني الخير والإيجاب والحيوية، وأن تضع القيادات الواعية في أيادي هذه الطاقات مجموعة من الرؤى النقدية التربوية والسياسية، وما يكمل من ضمان الاستثمار المالي الاقتصادي المعين على تحقيق الآمال.