لم يعرف العالم الإسلامي المدرسة قبل القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي، وكانت أول مدرسة بنيت في ديار الإسلام هي المدرسة البيهقية في نيسابور، ثم المدرسة النظامية في بغداد. ثم أخذت المدارس تنتشر في العراق وخراسان وغيرها من البلدان الإسلامية ( ) .
وعندما ملك صلاح الدين مصر،"لم يكن بها شيء من المدارس" ( ) ، فقام ببناء عدة مدارس للشافعية والمالكية. مقتديًا بالملك العادل نور الدين محمود زنكي. الذي بنى عدة مدارس في بلاد الشام للحنفية والشافعية ( ) ، وقد تأسّى بصلاح الدين في إقامة المدارس في مصر والشام أقرباؤه وأمراؤه والأغنياء من الفقهاء وغيرهم.
وقد مهدت هذه المدارس الطريق أمام طلاب العلم لينهلوا من معين العلوم الشرعية والعربية وغيرها بأيسر جهد، وأقصر وقت. وأقل التكاليف. وأصبح طالب العلم غير محتاج إلى أن ينتقل من بلد إلى آخر يبحث عن المدرسين بل صار المدرسون هم الذين يأتون إليه في المدرسة.
وقد جعلت هذه المدارس من عهد صلاح الدين عهدًا مشرقًا سواء في مصر أو بلاد الشام، إذ أصبحا محور استقطاب العلماء من جميع البلدان الإسلامية، لما كان يلاقيه الفقهاء من كريم العناية والرعاية، ولما كان يغدقه صلاح الدين عليهم من أُعطيات ومنح كثيرة، فقد بلغت المرتبات للفقهاء والمدرسين بدمشق في عهده حوالي ثلاثمائة ألف دينار، وكان عددهم حوالي ستمائة مدرس وفقيه ( ) .
ولكي يضمن صلاح الدين دخلًا ثابتًا للمدارس التي يُنشئها، كان يوقف عليها أوقافًا تكفي للإنفاق على الفقهاء (المدرسين) والدارسين ( ) . كما هُيئت لهذه المدارس كل أسباب الراحة ووسائل العيش، ليتفرغ الدارسون والمدرسون تفرغًا كاملًا للعلم.