وإدراكًا منه لدور الفقهاء الهام في المجتمع، اهتمّ بهم اهتمامًا كبيرًا، وأفاض عليهم من نعمه وإحسانه، وأغدق الهبات والأُعطيات، يدل على ذلك أن العلماء في دولته، كان لهم إقطاعات، وراتب يقارب الثلاثمائة ألف دينار ( ) .
كما قام بتقريب الفقهاء إليه فأحضرهم مجالسه، وكان يحسن الاستماع إليهم ويناقشهم في كثير من المسائل ( ) . وليس هذا بالآمر المستغرب إذا عرفنا أنه كان ذا ثقافة دينية واسعة. حيث حفظ القرآن الكريم وكثيرًا من الأحاديث النبوية. بالإضافة إلى معرفته الواسعة بالمذهب الشافعي.
ومن مظاهر اهتمام صلاح الدين بالفقهاء أيضًا، أنه كان كثير الاستشارة لكبارهم، فكان لا يقطع أمرًا إلا بعد أخذ رأيهم فيه ويأتي في طليعة كبار العلماء الذين كان يستشيرهم: كاتب ديوانه القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي البيساني (ت:596هـ/1200م) . يقول فيه صلاح الدين:"لم أفتح البلاد بسيفي وإنما برأي القاضي الفاضل ( ) ، ويقول أبو شامة في استشارة صلاح الدين الدائمة للقاضي الفاضل"... وكان لا يأتي أمرا إلا من بابه ( ) .
وبلغ من اعتماد صلاح الدين على رأي القاضي الفاضل أنه في سنة 588هـ/1192م، عندما نوى تأدية فريضة الحج، استشار القاضي الفاضل، فأشار عليه بعدم الخروج للحج خوفًا من رجوع الصليبيين إلى القدس. وكان صلاح الدين قد حررها من أيديهم ( ) . وبالفعل، فقد أخذ برأي القاضي الفاضل ولم يحج.