لم يَعُد ما يجري في لبنان شأنًا لبنانيًا، كما لم يَعُد ما يجري في العراق شأنًا عراقيًا؛ فلقد أحدث الاحتلال الأمريكيّ للعراق فراغًا في المنطقة، وخللًا في ميزان القوى، سمح للمشروع الإيرانيّ الفارسيّ بالتمدّد، ووضع أمتنا بين مشروعين مُريبَيْن: دوليّ بأبعاده الثقافية والسياسية والاقتصادية المعروفة، وإقليميّ حلم دائمًا بالاستحواذ على المنطقة، والثأر من التاريخ والجغرافيا.. ولم يُجْدِ حرصُنا، ولا نداء العقلاء من أبناء أمتنا أجمع، لصياغة مشروعٍ أصيلٍ في أفقٍ إسلاميٍ حضاريّ، يجتمع عليه أبناء الأمة ويستظلّون بظله، ويلتفّون حول ثوابته.. لم يُجدِ ذلك نفعًا، في كفكفة المشروع الإقليميّ!! ولقد أكدت الأحداث لكل المتابعين، أنّ مشروعًا مذهبيًا خفيًا يتسلّل عبر العناوين والشعارات، لتصفية حساباتٍ مذهبيةٍ تاريخية، تشهد عليها مجريات الأحداث في العراق ولبنان وسورية على السواء..
في ظل المشروع الأمريكيّ المتداعي في العراق، تَقدّم المشروع الإيرانيّ الفارسي، وعلى أنقاض العراق من إنسان وعمران ارتفع هذا المشروع، وبمهادنة المشروع الأمريكيّ والسكوت عليه تمكّن، و هو لا يفتأ يقدّم نفسَه بديلًا تارةً، ومنافسًا ثانيةً، ومناهضًا ثالثة!! ليكتسب بذلك المزيد من الولاءات، وليتسلل إلى القلوب الطيبة عَبْرَ زُخْرِف القول والشعارات، مغيّبًا الكثير من الحقائق. ولولا مساعدته وتأييده للمشروع الأمريكيّ، ما احتُلَّت أفغانستان، ولا سقط العراق، ولولا تعاطيه الإيجابيّ مع المشروع الأمريكيّ لما استقر لهذا المشروع على أرض العراق مقام.