ومن اليسير تتبع رصد الدور السياسي للطرق الصوفية سواء كان محدودًا خافتًا مثل ما عليه الحال في مصر، أو متسعًا ظاهرًا، مثل ما قامت به المهدية في السودان، والسنوسية والقادرية والتيجانية والميريدية في وسط وغرب أفريقيا والنقشبندية والمولوية في آسيا الوسطى والقوقاز وشبه القارة الهندية وغيرها. لكن تناول دور الطرق الصوفية في إحداث «النمو الاقتصادي» على مستوى العالم الإسلامي برمته، أو حتى داخل كل دولة على حدة، لا يبدو عملًا يسيرًا بأي حال من الأحوال، لأنه إما دور ضئيل لا يذكر في بعض الدول، أو غير مباشر يصعب تتبعه أو التيقن من حجمه، في دول أخرى.
وحتى لو كانت الصوفية تحكم من خلال حزب، مثلما هو الحال في تركيا، فإنها لا تعدو هنا كونها عنصرًا من عناصر عدة تسهم في النمو الاقتصادي، من الصعب استخلاصه وتحديد معالمه، لأنه ذائب في الجهود الأخرى التي تجد على هذا الدرب.
وتتمثل الإشكالية الرئيسة لهذه الدراسة في تحليل (الدور الذي تلعبه الطرق الصوفية في تشكيل الثقافة السياسية المصرية) وذلك بتناول أساليب التنشئة السياسية لديها باعتبارها أداة نقل وخلق وتغيير الثقافة السياسية وكونها ضرورة لكل عضو في المجتمع كل يستطيع أن يتكيف مع البيئة السياسية التي تحيط به.……وهذا يتطلب فحص «القيم» و «المعارف» التي تغرسها الطرق الصوفية في نفوس وعقول أتباعها لمعرفة ما إذا كانت تدعو إلى الانخراط والمشاركة أم السلبية والانسحاب؟ وهل تقود إلى التغيير أم ترتكن إلى تكريس الوضع القائم؟ وما نوع الحكم الذي تقضي إليه «ديمقراطي» ، أم «ديكتاتوري» ؟ وما مدى ترسيبها لقيم عامة لها بعد سياسي مثل «العدالة» و «الحرية» و «المساواة» و «التسامح» أو مفاهيم سياسية مثل: «الوطنية» و «الهوية» و «الانتماء» و «الشرعية» ... الخ.