لكن يبدو أن الحقيقة تسير عكس هذه التوقعات فطوال القرن العشرين سارت الصوفية المصرية في اتجاه مخالف للرسم البياني الذي بشر به بعض الباحثين واستطاعت أن تضم بين مريديها بعض الفئات المحدثة. ولم تؤد أشكال التدين الأخرى إلى تراجع نفوذ المتصوفة بل حدث العكس، فالنظام الحاكم كان في مصلحته دائمًا أن تكون الصوفية قوية ظاهرة في مواجهة القوى الإسلامية المناوئة له ولذا عمل طوال الوقت على إلهاب وقودها ليستمر مشتعلًا، ثم دخل الأمريكيون على الخط فزادوا هذا التوجه عمقًا، وأعطوه بعدًا دوليًا واستراتيجيًا كبيرًا. وفي نهاية الكتاب يطرح الباحث أسئلة عدة: هل الصواب هو هدم هذه التجمعات والمؤسسات التقليدية «الطرقية» وتقويضها لأنها تقف عائقًا أمام التحديث؟ أم أن الأصح هو تطويرها من الداخل بحيث تستطيع أن تجاري الحداثة؟ ولكن ما هو مقدار الصعوبة التي تقف حائلًا دون هذا التطور وما مدى استعداد الأنظمة الحاكمة التي تتوالى على عرش مصر لطرح هذه الأفكار؟ فهل سيستمر مسلسل الاتكاء على الصوفية لكسب الشرعية؟ أم سيأتي من يسعون إلى القيام بعملية جراحية شاملة للطرقية بحيث يتلافى المجتمع عيوبها ويستفيد من إيجابيتها؟ وما إمكانية أن يتقبل المتصوفة أنفسهم هذا التغير؟ هذه الأسئلة وغيرها ستبقى مطروحة في المستقبل المنظور ولكن الشيء الضروري الذي تختتم به هذه الدراسة رحلتها هو أن أي عملية تنمية للمجتمع المصري على المستويين السياسي والاقتصادي أو أي مشروع للنهضة لا يمكن أن يتجاهل المعضلات التي تطرحها الصوفية.
محمد عويس - الحياة - 3/3/2007
أول الرقص حنجلة!!