فإن الله قد بعث نبيه - صلى الله عليه وسلم - بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدًا فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده حتى ترك الأمة على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك وما ترك خيرًا إلا دل الأمة عليه ولا شرًا إلى حذرها منه فأكمل الله به الدين وجعله حجة على عباده أجمعين وتربى أصحابه - رضي الله عنهم - في مدرسته أحسن تربية وتخرجوا منها دعاة وعلماء وقادة ومفتين قد ضربوا بسهم السبق في كل باب من أبواب الدين وحملوا على أعناقهم وأكتافهم هم إبلاغ هذه الرسالة التي تلقوها شفاهًا من نبيهم - صلى الله عليه وسلم - فتركوا الأوطان وهاجروا في مشارق الأرض ومغاربها فاتحين معلمين لا يشغلهم عن أداء هذه الأمانة شاغل ولا يلهيهم عن القيام بها أو يصدهم عنها عاطل غافل قد نذروا أنفسهم لله وباعوا أرواحهم لخالقها يرجون بذلك جنة عرضها السماوات والأرض ولم ينقضي عصرهم إلا بعد أن أرسيت قواعد الملة وانتشر العلم في أرجاء هذه المعمورة غضًا طريًا صافيًا لا شوب فيه ولا كدر فقد كان الجميع على السنة المرضية والطريقة المرعية معتمدهم في ذلك الكتاب والسنة لا يتجاوزونه طرفة عين فضربوا أروع المثل في التعلم والتعليم والجهاد والدعوة والصبر فرضي الله عنهم وأرضاهم ورفع نزلهم في الفردوس الأعلى وجزاهم الله تعالى خير ما جزى عالمًا عن أمته ثم إنه نبغت في أواخر عصرهم بعض الطوائف التي ضلت عن الصراط المستقيم وتنكبت عن النهج القويم فزاغت بها الأهواء وتقطعت بها السبل والتبس عندها الحق بالباطل فعميت بصائرها عن نور الهدى وتحكم فيها عفن الهوى وخرجت على من بقي من الصحابة وحكمت بكفرهم واستحلت دماءهم وأموالهم وديارهم قائدهم في ذلك الفهم الفاسد والرأي العاطل وغرور النفس وتسويل الشيطان وتزيينه ودعاة الباطل الذين اندسوا بين صفوف المسلمين ليفرقوا جماعتهم ويهدموا وحدة كيانهم