إذًا فما دامت عبادة الجهاد قد تضمّنت كل هذه المشاق، وأداؤها بحاجة ملحة إلى منازعة النفس، وهو مركبٌ لأنواع المخاطر وضروب المغامرات، فلا غرو أن نجد كثيرًا من آيات القرآن الكريم وهي ترد على سائر العلل وتفند الشبه التي تعلَّق بها كثيرون ممن أرادوا التملص والتخلص من أداء هذه العبادة، وكشفتها واحدة واحدة ببيان ناصع وبرهانٍ قاطعٍ، وحججٍ مُحكَمة، وتقريراتٍ مفحمة سُدَّت بها أبواب كل مموهٍ يود أن لو وجد"ملجأً أو مغاراتٍ أو مدَّخلًا"ليولي إليها وهو جَموح.
والعجيب أنك لا تكاد تجد - قديمًا وحديثًا - فيما يتعلل به المتعللون في تفلتهم من أداء عبادة الجهاد قولًا صريحًا بأنَّ داعيه إلى ذلك هو الجُبن، أو الخوف من الموت، أو تهيّب المخاطر، أو الحرص على الدنيا، أو مشقة مفارقة الولد والأهل والأوطان، وإنما غالبًا ما تكسى تلك العلل العليلة ثوبَ النصح، أو العجز المسقِط للتكليف (عدم الاستطاعة) ، أو الحرص على أرواح المجاهدين، أو الخوف من مآلات الأمور السيئة، ونحو ذلك، وسبب هذا أن الجبن هو من أقبح ما يمكن أن يوصف به المرء وهو مذَمَّةٌ تنفر منها الطباع جِبلَّةً، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ منه.
وكثيرًا ما تخدع المرءَ نفسُه فيظن فيها الشجاعة والإقدام والجرأة حتى إذا عاينَ الموت وباشر أسبابه ورأى أهواله خذلته وصار قلبه في جناحي طائر، وهذا أحد الأسباب التي ذكر العلماء أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى لأجلها عن تمني لقاء العدو إذ ليس الخبر كالمعاينة، وقد تُبدي النفس في ذلك الموطِن ما كانت تخفيه من قَبل، ولأن مثل هذه المواطن لا محل فيها للتصنّع والتمويه فإمِّا تصبّر وتجلُّدٌ ومجالدة وإما فرارٌ وتوليةٌ للدبر، كما قال الإمام ابن دقيق العيد -رحمه الله-: [ولما كان لقاء الموت من أشق الأشياء وأصعبها على النفوس من وجوه كثيرة وكانت الأمور المقدرة عند النفس ليست كالأمور المحققة لها: خشي أن لا تكون عند التحقيق كما ينبغي فكره تمني لقاء العدو لذلك] اهـ.
وهذا المعنى الذي أشار إليه قريبٌ منه قوله تعالى: {وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} [آل عمران/143] ، كما روى ابن أبي حاتم فيها: [أن رجالا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون: ليتنا نقتل كما قتل أصحاب