فهرس الكتاب
مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيْلَ الْبُخَارِيُّ رَحْمَهْ الَلّهَ تَعَالَىْ, وَلَّىَ أَسَانِيْدِ غَيْرَهَا كَثِيْرَةً أَكْتَفِيْ بِمَا ذَكَرْتُ, وأقول بكل هذة الأسانيد إلى الإمام البخاري - رحمه الله - قال:
1 - [حديث 109] حَدَّثَنَا [1] مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ [2] قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْد [3] عَنْ سَلَمَةَ [4] قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ مَنْ يَقُلْ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ [5] .
(1) حدثنا هذة العبارة من ارفع العبارت وهى لما سمعه من لفظ الشيخ ... قال الخطيب البغدادى رحمه الله تعالى (( أرفع العبارت سمعت ثم حدثنا وحدثنى ثم اخبرنا وهو كثير في الاستعمال. وقال ابن الصلاح: حدثناواخبرنا ارفع من سمعت من جهة أنه ليس في سمعت دلاله ان الشيخ رواه اياه, بخلافهما. وقال الامام أحمد رحمه الله: اخبرنا أسهل من حدثنا, قال حدثنا شديد
(2) هو مسند خراسان الإمام الحافظ الصادق مكي ابن إبراهيم بن بشير بن فرقد، ويقال: جده فرقد بن بشير، أبو السكن، التميمي الحنظلي البلخي. سأله محمد بن علي بن جعفر البلخي: في أي سنة ولدت؟ قال: في سنة ست وعشرين ومائة. حدث عن: يزيد بن أبي عبيد، وبهز بن حكيم، وعبد الله بن سعيد بن أبي هند، وابن جريج، وهشام بن حسان، والجعيد بن عبد الرحمن، وحنظلة بن أبي سفيان، وموسى بن عبيدة، وعثمان بن سعد الكاتب، وأبي حنيفة، وأيمن بن نابل، وداود بن يزيد الأودي، وفائد أبي الورقاء، وفطر بن خليفة، وهاشم بن هاشم بن عتبة، وهشام الدستوائي، وعثمان بن الأسود، ومالك بن أنس، ويعقوب بن عطاء، وعدة، قال الذهبي: وليس هو بالمكثر جدا, حدث عنه: البخاري، وأحمد بن حنبل، وعبيد الله القواريري، ويحيى بن يحيى، ويحيى بن معين، (( وذكر جمع كبير ) ),قال الكوسج: سألت أحمد عن مكي، فقال: ثقة ,وروى أحمد بن زهير عن يحيى: صالح ,وقال أبو حاتم: محله الصدق ,وقال العجلي: ثقة ,وقال النسائي: ليس به بأس ,قال الدارقطني: مكي ثقة مأمون ,وقال محمد بن عبد الوهاب الفراء: حدثنا مكي بن إبراهيم، الرجل الصالح بنيسابور ,وقال عمرو بن علي: قدم علينا مكي سنة اثنتي عشرة ومائتين ,قال أبو حاتم والبخاري: مات سنة أربع عشرة ,وقال ابن سعد ومطين وعبد الصمد بن الفضل وغيرهم: سنة خمس عشرة ومائتين. زاد ابن سعد: ببلخ في النصف من شعبان، وقد قارب المائة، وكان ثقة، ثبتا في الحديث -رحمه الله-. قلت: لم يلق البخاري بخراسان أحدا أكبر منه. روى له الجماعة, قلت: حج كثيرا، وكان له مال وتجارةأ. هـ.
(3) يزيد بن أبي عبيد (المدني، من بقايا التابعين الثقات. حدث عن مولاه سلمة بن الأكوع، وعن عمير مولى آبي اللحم. وعنه: حاتم بن إسماعيل، ويحيى القطان، وحماد بن مسعدة، وأبو عاصم النبيل، ومكي بن إبراهيم وآخرون. وثقه أبو داود. وحديثه من عوالي البخاري الثلاثيات. توفي سنة سبع وأربعين ومائة.
(4) قال الإمام البخارى: سلمة بن عمرو بن الأكوع أبو مسلم الأسلمي له صحبة ويقال سلمة بن الأكوع سكن الربذة قال لنا أبو الوليد نا عكرمة بن عمار عن إياس بن سلمة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم خير رجالتنا سلمة وقال النضر بن محمد نا عكرمة بن عمار نا إياس بن سلمة قال ما كذب أبي قط في جد ولا هزل (التاريخ الكبير/198)
قال بن حجر العسقلانى: سلمة بن عمرو بن الأكوع واسم الأكوع سنان بن عبد الله يأتي بقية نسبه في عامر بن الأكوع وقيل اسم أبيه وهب وقيل غير ذلك أول مشاهده الحديبة وكان من الشجعان ويسبق الفرس عدوا وبايع النبي صلى الله عليه وسلم عند الشجرة على الموت رواه البخاري من حديثه وقد روى أيضا عن أبي بكر وعمر وغيرهما وروى عنه ابنه إياس والحسن بن محمد بن الحنفية وزيد بن أسلم ويزيد بن أبي عبيد مولاه وآخرون ونزل المدينة ثم تحول إلى الربذة بعد قتل عثمان وتزوج بها وولد له حتى كان قبل أن يموت بليال نزل إلى المدينة فمات بها رواه البخاري وكان ذلك سنة أربع وسبعين على الصحيح وقيل مات سنة أربع وستين وزعم الواقدي ومن تبعه أنه عاش ثمانين سنة وهو على القول الأول باطل إذ يلزم منه أن يكون له في الحديبية نحو من عشر سنين ومن يكون في تلك السن لا يبايع على الموت ثم رأيت عند بن سعد أنه مات في آخر خلافة معاوية وكذا ذكر البلاذري الإصابة في تمييز الصحابة/ 3391)
(5) قال الحافظ ابن حجر في الفتح: قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ) هُوَ اسْمٌ وَلَيْسَ بِنَسَبٍ كَمَا تَقَدَّمَ: وَهُوَ مِنْ كِبَارِ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، سَمِعَ مِنْ سَبْعَ عَشْرَةَ نَفْسًا مِنَ التَّابِعِينَ مِنْهُمْ يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ الْمَذْكُورُ هُنَا، وَهُوَ مَوْلَى سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ صَاحِبِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَذَا الْحَدِيثُ أَوَّلُ ثُلَاثِيٍّ وَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ، وَلَيْسَ فِيهِ أَعْلَى مِنَ الثُّلَاثِيَّاتِ، وَقَدْ أُفْرِدَتْ فَبَلَغَتْ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ حَدِيثًا.
قَوْلُهُ: (مَنْ يَقُلْ) أَصْلُهُ يَقُولُ وَإِنَّمَا جُزِمَ بِالشَّرْطِ. وقَوْلُهُ: (مَا لَمْ أَقُلْ) أَيْ: شَيْئًا لَمْ أَقُلْهُ فَحَذَفَ الْعَائِدَ وَهُوَ جَائِزٌ وَذَكَرَ الْقَوْلَ لِأَنَّهُ الْأَكْثَرُ وَحُكْمُ الْفِعْلِ كَذَلِكَ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي عِلَّةِ الِامْتِنَاعِ وَقَدْ دَخَلَ الْفِعْلُ فِي عُمُومِ حَدِيثِ الزُّبَيْرِ وَأَنَسٍ السَّابِقَيْنِ لِتَعْبِيرِهِمَا بِلَفْظِ الْكَذِبِ عَلَيْهِ وَمِثْلُهُمَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي ذَكَرَهُ بَعْدَ حَدِيثِ سَلَمَةَ فَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَذَا وَفَعَلَ كَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ قَالَهُ أَوْ فَعَلَهُ، وَقَدْ تَمَسَّكَ بِظَاهِرِ هَذَا اللَّفْظِ مَنْ مَنَعَ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى. وَأَجَابَ الْمُجِيزُونَ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ النَّهْيُ عَنِ الْإِتْيَانِ بِلَفْظٍ يُوجِبُ تَغَيُّرَ الْحُكْمِ مَعَ أَنَّ الْإِتْيَانَ بِاللَّفْظِ لَا شَكَّ فِي أَوْلَوِيَّتِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ أ. هـ.
قلت لقد جاء الوعيدُ الشديدُ من لدن النبي صلى اللهُ عليه وسلم فيمن يكذبُ عليه في حديثهِ، وكثرت النصوصُ في ذلك، بل جاءت متواترةً تواترًا لفظيًا بحيثُ نقلهُ من الصحابةِ العددُ الجمُ. أورد الْحَافِظ شَمْس الدِّين بْن الْقَيِّم رَحِمَهُ اللَّه في تعليقه على"سنن أبي داود"جملةً من أحاديث الصحيحين فقال: وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَلِيّ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيَّ كَذِبًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَده مِنْ النَّار". وَفِيهِمَا أَيْضًا عَنْ الْمُغِيرَة بْن شُعْبَة قَالَ: سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول:"إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى غَيْرِي , فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَده مِنْ النَّار". وَفِيهِمَا أَيْضًا: عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَده مِنْ النَّار".
وعَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ:"مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تُحَدِّثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا يُحَدِّثُ عَنْهُ أَصْحَابُهُ"، فَقَالَ:"أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ كَانَ لِي مِنْهُ وَجْهٌ وَمَنْزِلَةٌ، وَلَكِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ:"مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ". رواهُ أبو داود (3651) ، وصححهُ العلامةُ الألباني في"صحيح سنن أبي داود" (3102) . قال"صاحب عون المعبود"تعليقًا على الحديثِ:"وَفِي تَمَسُّكِ الزُّبَيْرِ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنْ اِخْتِيَار قِلَّة التَّحْدِيث دَلِيل لِلْأَصَحِّ فِي أَنَّ الْكَذِب هُوَ الْإِخْبَار بِالشَّيْءِ عَلَى خِلَاف مَا هُوَ عَلَيْهِ , سَوَاء كَانَ عَمْدًا أَمْ خَطَأً , وَالْمُخْطِئ وَإِنْ كَانَ غَيْر مَأْثُوم بِالْإِجْمَاعِ لَكِنَّ الزُّبَيْر خَشِيَ مِنْ الْإِكْثَار أَنْ يَقَع فِي الْخَطَأ وَهُوَ لَا يَشْعُر لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَأْثَم بِالْخَطَأِ لَكِنْ قَدْ يَأْثَم بِالْإِكْثَارِ إِذْ الْإِكْثَار مَظِنَّة الْخَطَأ. وَالثِّقَة إِذَا حَدَّثَ بِالْخَطَأِ فَحُمِلَ عَنْهُ وَهُوَ لَا يَشْعُر أَنَّهُ خَطَأ يُعْمَل بِهِ عَلَى الدَّوَام لِلْمَوْثُوقِ بِنَقْلِهِ فَيَكُون سَبَبًا لِلْعَمَلِ بِمَا لَمْ يَقُلْهُ الشَّارِع , فَمَنْ خَشِيَ مِنْ الْإِكْثَار الْوُقُوعَ فِي الْخَطَأ لَا يُؤْمَن عَلَيْهِ الْإِثْم إِذَا تَعَمَّدَ الْإِكْثَار فَمِنْ ثَمَّ تَوَقَّفَ الزُّبَيْر وَغَيْره مِنْ الصَّحَابَة عَنْ الْإِكْثَار مِنْ التَّحْدِيث. وَأَمَّا مَنْ أَكْثَرَ مِنْهُمْ فَمَحْمُول عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا وَاثِقِينَ مِنْ أَنْفُسهمْ بِالتَّثْبِيتِ أَوْ طَالَتْ أَعْمَارهمْ فَاحْتِيجَ إِلَى مَا عِنْدهمْ فَسُئِلُوا فَلَمْ يُمْكِنهُمْ الْكِتْمَان. ا. هـ. وأكتفي بهذهِ الأحاديثِ في التذكيرِ بخطورة الكذبِ على رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم.