فهرس الكتاب
للجنة التي أعدها الله لعباده المتقين عدة أبواب يدخل منها المؤمنون، نسأل الله لنا ولكم الدخول منها. قال الله سبحانه وتعالى: {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (73) } . [1]
قال القرطبي: قوله تعالى: {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الّجَنَّةِ زُمَرًا} يعني من الشهداء والزهاد والعلماء والقراء وغيرهم، ممن اتقى الله تعالى وعمل بطاعته. وقال في حق الفريقين: «وَسِيقَ» بلفظ واحد، فسوق أهل النار طردهم إليها بالخزي والهوان، كما يفعل بالأسارى والخارجين على السلطان إذا سيقوا إلى حبس أو قتل، وسوق أهل الجنان سوق مراكبهم إلى دار الكرامة والرضوان؛ لأنه
لا يذهب بهم إلا راكبين كما يفعل بمن يشرف ويكرم من الوافدين على بعض الملوك، فشتان ما بين السوقين. اهـ. [2]
وقوله هنا {وفتحت} بالواو، وللكفار {فتحت} بدون واو فما السر في ذلك.
قال ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى:"فيقال: هذا أبلغ في الموضعين فإن الملائكة تسوق أهل النار إليها وأبوابها مغلقة حتى إذا وصلوا إليها فتحت في وجوههم فيفجأهم العذاب بغتة فحين انتهوا إليها فتحت أبوابها بلا مهلة فإن هذا شأن الجزاء المرتب على الشرط أن يكون عقيبه فإنها دار الإهانة والخزي فلم يستأذن لهم في دخولها ويطلب إلى خزنتها أن يمكنوهم من الدخول وأما الجنة فإنها دار الله ودار كرامته ومحل خواصه وأوليائه فإذا انتهوا إليها صادفوا أبوابها مغلقة فيرغبون إلى صاحبها ومالكها أن يفتحها لهم ويستشفعون إليه بأولي العزم من رسله وكلهم يتأخر عن ذلك حتى تقع الدلالة على خاتمهم وسيدهم وأفضلهم فيقول أنا لها فيأتي إلى تحت العرش ويخر ساجدا لربه فيدعه ما شاء الله أن يدعه ثم يأذن له ..."
ثم قال: وقال خزنة أهل الجنة لأهلها: {سلام عليكم} فبدؤهم بالسلام المتضمن للسلامة من كل شر ومكروه، أي سلمتم فلا يلحقكم بعد اليوم ما تكرهون، ثم قال لهم: {طبتم فادخلوها خالدين} أي سلامتكم ودخولها بطيبكم، فإن الله حرمها إلا على الطيبين فبشروهم بالسلامة والطيب والدخول والخلود.
وأما أهل النار فإنهم لما انتهوا إليها على تلك الحال من الهم والغم والحزن وفتحت لهم أبوابها وقفوا عليها وزيدوا على ما هم عليه توبيخ خزنتها وتكبيتهم لهم
بقولهم: {أَلَمْ يَاتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (71) } . [3] فاعترفوا، وقالوا: {بَلَى} فبشروهم بدخولها والخلود فيها وإنها بئس المثوى لهم. [4]
وقد ثبت في السنة الصحيحة أن للجنة ثمانية أبواب.
فعن سهل بن سعد - رضي الله عنه -، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال:"في الجنة ثمانية أبواب باب منها يسمى الريان لا يدخله إلا الصائمون" [5] .
وفي لفظ لهما:"لا يدخل معهم أحد غيرهم يقال أين الصائمون فيدخلون منه فإذا دخل آخرهم أغلق فلم يدخل منه أحد". [6]
قال الزين بن المنير: إنما قال في الجنة ولم يقل للجنة ليشعر بأن في الباب المذكور من النعيم والراحة في الجنة فيكون أبلغ في التشوق إليه. فتح الباري.
وقال الترمذي: وسائر الأبواب مقسومة على أعمال البر باب الصلاة، باب الزكاة، باب الجهاد، باب الصدقة، باب الحج، باب العمرة، باب الكاظمين الغيظ، باب الراضين، باب من لا حساب عليه، باب الضحى، باب الفرح، باب الذاكرين، باب الصابرين، والظاهر أن الأبواب الأصول ثمانية وما زاد عليها كالخوخ المعهودة ... اهـ. فيض القدير.
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"من أنفق زوجين من ماله في سبيل الله دعي من أبواب الجنة كلها، وللجنة ثمانية أبواب، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الصيام، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل"
(1) سورة الزمر.
(2) تفسير القرطبي (15/ 284) .
(3) سورة الزمر.
(4) حادي الأرواح (1/ 38 - 39) .
(5) رواه البخاري برقم (3084) ، باب صفة أبواب الجنة، ومسلم برقم (1152) ، باب فضل الصيام.
(6) البخاري برقم (1797) ، باب الريان للصائمين، ومسلم برقم (1152) ، باب فضل الصيام.