فهرس الكتاب
الْجَوَابُ الْخَامِسُ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَلَّلَ الْإِذْنَ لِلرِّجَالِ بِأَنَّ ذَلِكَ يُذَكِّرُ بِالْمَوْتِ , وَيُرَقِّقُ الْقَلْبَ , وَيُدْمِعُ الْعَيْنَ , هَكَذَا فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا فُتِحَ لَهَا هَذَا الْبَابُ أَخْرَجَهَا إلَى الْجَزَعِ وَالنَّدْبِ وَالنِّيَاحَةِ , لِمَا فِيهَا مِنْ الضَّعْفِ , وَكَثْرَةِ الْجَزَعِ , وَقِلَّةِ الصَّبْرِ . وَأَيْضًا فَإِنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ لِتَأَذِّي الْمَيِّتِ بِبُكَائِهَا , وَلِافْتِتَانِ الرِّجَالِ بِصَوْتِهَا , وَصُورَتِهَا . كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: { فَإِنَّكُنَّ تَفْتُنَّ الْحَيَّ , وَتُؤْذِينَ الْمَيِّتَ } وَإِذَا كَانَتْ زِيَارَةُ النِّسَاءِ مَظِنَّةً وَسَبَبًا لِلْأُمُورِ الْمُحَرَّمَةِ فِي حَقِّهِنَّ , وَحَقِّ الرِّجَالِ , وَالْحِكْمَةُ هُنَا غَيْرُ مَضْبُوطَةٍ , فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُحَدَّ الْمِقْدَارُ الَّذِي لَا يُفْضِي إلَى ذَلِكَ , وَلَا التَّمْيِيزُ بَيْنَ نَوْعٍ وَنَوْعٍ . وَمِنْ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ أَنَّ الْحِكْمَةَ إذَا كَانَتْ خَفِيَّةً , أَوْ غَيْرَ مُنْتَشِرَةٍ عُلِّقَ الْحُكْمُ بِمَظِنَّتِهَا , فَيَحْرُمُ هَذَا الْبَابُ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ , كَمَا حَرُمَ النَّظَرُ إلَى الزِّينَةِ الْبَاطِنَةِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْفِتْنَةِ , وَكَمَا حَرُمَ الْخَلْوَةُ بِالْأَجْنَبِيَّةِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ النَّظَرِ , وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَصْلَحَةِ مَا يُعَارِضُ هَذِهِ الْمَفْسَدَةَ , فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي ذَلِكَ إلَّا دُعَاؤُهَا لِلْمَيِّتِ , وَذَلِكَ مُمْكِنٌ فِي بَيْتِهَا . وَلِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ: إذَا عَلِمَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ نَفْسِهَا أَنَّهَا إذَا زَارَتْ الْمَقْبَرَةَ بَدَا مِنْهَا مَا لَا يَجُوزُ مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ , لَمْ تَجُزْ لَهَا الزِّيَارَةُ بِلَا نِزَاعٍ .
فَصْلٌ وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ فِي زِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَهُوَ ضَعِيفٌ , وَلَيْسَ فِي زِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حَدِيثٌ حَسَنٌ وَلَا صَحِيحٌ , وَلَا رَوَى أَهْلُ السُّنَنِ الْمَعْرُوفَةِ , كَسُنَنِ أَبِي دَاوُد , وَالنَّسَائِيُّ وَابْنِ مَاجَهْ , وَالتِّرْمِذِيِّ , وَلَا أَهْلُ الْمَسَانِيدِ الْمَعْرُوفَةِ , كَمُسْنَدِ أَحْمَدَ , وَنَحْوِهِ , وَلَا أَهْلُ الْمُصَنَّفَاتِ كَمُوَطَّأِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ فِي ذَلِكَ شَيْئًا . بَلْ عَامَّةُ مَا يُرْوَى فِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ مَكْذُوبَةٌ مَوْضُوعَةٌ . كَمَا يُرْوَى عَنْهُ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: { مَنْ زَارَنِي وَزَارَ أَبِي إبْرَاهِيمَ فِي عَامٍ وَاحِدٍ ضَمِنْت لَهُ عَلَى اللَّهِ الْجَنَّةَ } وَهَذَا حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ , كَذِبٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ . وَكَذَلِكَ مَا يُرْوَى أَنَّهُ قَالَ: { مَنْ زَارَنِي بَعْدَ مَمَاتِي , فَكَأَنَّمَا زَارَنِي فِي حَيَاتِي , وَمَنْ زَارَنِي بَعْدَ مَمَاتِي ضَمِنْت لَهُ عَلَى اللَّهِ الْجَنَّةَ } لَيْسَ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَصْلٌ , وَإِنْ كَانَ قَدْ رَوَى بَعْضَ ذَلِكَ الدَّارَقُطْنِيُّ , وَالْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ , فَمَدَارُ ذَلِكَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ . أَوْ مَنْ هُوَ أَضْعَفُ مِنْهُ , مِمَّنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ بِرِوَايَتِهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ . وَإِنَّمَا اعْتَمَدَ الْأَئِمَّةُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي السُّنَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: { مَا مِنْ رَجُلٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي , حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ } وَكَمَا فِي سُنَنِ النَّسَائِيّ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: { إنَّ اللَّهَ وَكَّلَ بِقَبْرِي مَلَائِكَةً تُبَلِّغُنِي عَنْ أُمَّتِي السَّلَامَ } فَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَيْهِ مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ , فَلِهَذَا اسْتَحَبَّ ذَلِكَ الْعُلَمَاءُ .