فهرس الكتاب
(لا تجعلوا بيوتكم قبورا ) : أي لا تتركوا الصلوات والعبادة فتكونوا فيها كأنكم أموات . شبه المكان الخالي عن العبادة بالقبور , والغافل عنها بالميت , ثم أطلق القبر على المقبرة . وقيل المراد لا تدفنوا في البيوت , وإنما دفن المصطفى في بيت عائشة مخافة اتخاذ قبره مسجدا ذكره القاضي , قاله المناوي في فتح القدير وقال الخفاجي: ولا يرد عليه أنه صلى الله عليه وسلم دفن في بيته لأنه اتبع فيه سنة الأنبياء عليهم السلام كما ورد: ما قبض نبي إلا دفن حيث يقبض . فهو مخصوص بهم انتهى ( ولا تجعلوا قبري عيدا ) : قال الإمام ابن تيمية رحمه الله معنى الحديث لا تعطلوا البيوت من الصلاة فيها والدعاء والقراءة فتكون بمنزلة القبور , فأمر بتحري العبادة بالبيوت ونهى عن تحريها عند القبور , عكس ما يفعله المشركون من النصارى ومن تشبه بهم من هذه الأمة . والعبد اسم ما يعود من الإجتماع العام على وجه معتاد عائدا ما يعود السنة أو يعود الأسبوع أو الشهر ونحو ذلك . وقال ابن القيم: العيد ما يعتاد مجيئه وقصده من زمان ومكان مأخوذ من المعاودة والاعتياد , فإذا كان اسما للمكان فهو المكان الذي يقصد فيه الاجتماع الانتياب بالعبادة وبغيرها كما أن المسجد الحرام ومنى ومزدلفة وعرفة والمشاعر جعلها الله تعالى عيدا للحنفاء ومثابة للناس , كما جعل أيام العيد منها عيدا . وكان للمشركين أعياد زمانية ومكانية فلما جاء الله بالإسلام أبطلها وعوض الحنفاء منها عيد الفطر وعيد النحر , كما عوضهم عن أعياد المشركين المكانية بكعبة ومنى ومزدلفة وسائر المشاعر انتهى . قال المناوي: في فتح القدير: معناه النهي عن الاجتماع لزيارته اجتماعهم للعيد إما لدفع المشقة أو كراهة أن يتجاوزوا حد التعظيم . وقيل العيد ما يعاد إليه أي لا تجعلوا قبري عيدا تعودون إليه متى أردتم أن تصلوا علي , فظاهره منهي عن المعاودة والمراد المنع عما يوجبه وهو ظنهم بأن دعاء الغائب لا يصل إليه ويؤيده قوله: ( وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم ) : أي لا تتكلفوا المعاودة إلي فقد استغنيتم بالصلاة علي . قال المناوي ويؤخذ منه أن اجتماع العامة في بعض أضرحة الأولياء في يوم أو شهر مخصوص من السنة ويقولون هذا يوم مولد الشيخ ويأكلون ويشربون وربما يرقصون فيه منهي عنه شرعا , وعلى ولي الشرع ردعهم على ذلك , وإنكاره عليهم وإبطاله انتهى . وقال شيخ الإسلام ابن تيميه: الحديث يشير إلى أن ما ينالني منكم من الصلاة والسلام يحصل مع قربكم من قبري وبعدكم عنه فلا حاجة بكم إلى اتخاذه عيدا انتهى . والحديث دليل على منع السفر لزيارته صلى الله عليه وسلم لأن المقصود منها هو الصلاة والسلام عليه والدعاء له صلى الله عليه وسلم , وهذا يمكن استحصاله من بعد كما يمكن من قرب , وأن من سافر إليه وحضر من ناس آخرين فقد اتخذه عيدا وهو منهي عنه بنص الحديث , فثبت منع شد الرحل لأجل ذلك بإشارة النص , كما ثبت النهي عن جعله عيدا بدلالة النص , وهاتان الدلالتان معمول بهما عند علماء الأصول , ووجه هذه الدلالة على المراد قوله تبلغني حيث كنتم فإنه يشير إلى البعد , والبعيد عنه صلى الله عليه وسلم لا يحصل له القرب إلا باختيار السفر إليه , والسفر يصدق على أقل مسافة من يوم فكيف بمسافة باعدة , ففيه النهي عن السفر لأجل الزيارة والله أعلم . والحديث حسن جيد الإسناد وله شواهد كثيرة يرتقي بها إلى درجة الصحة . قاله الشيخ العلامة محمد بن عبد الهادي رحمه الله . وقال في فتح المجيد شرح كتاب التوحيد: رواته مشاهير لكن قال أبو حاتم الرازي فيه عبد الله بن نافع ليس بالحافظ نعرف ومنكر . وقال ابن معين: هو ثقة , وقال أبو زرعة: لا بأس به . قال الشيخ ابن تيمية: ومثل هذا إذا كان لحديثه شواهد علم أنه محفوظ , وهذا له شواهد متعددة انتهى ومن شواهده الصادقة ما روى عن علي بن الحسين أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيدخل فيها فيدعو فنهاه وقال ألا أحدثكم حديثا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال"لا تتخذوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا فإن تسليمكم يبلغني أين كنتم"رواه الضياء في المختارة وأبو يعلي والقاضي إسماعيل . وقال سعيد بن منصور في سننه: حدثنا عبد العزيز بن محمد أخبرني سهل بن سهيل قال رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عند القبر فناداني وهو في بيت فاطمة يتعشى فقال هلم إلى العشاء , فقلت لا أريده , فقال ما لي رأيتك عند القبر ؟ فقلت سلمت على النبي صلى الله عليه وسلم , فقال إذا دخلت المسجد فسلم ثم قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال"لا تتخذوا قبري عيدا ولا تتخذوا بيوتكم مقابر وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء". قال سعيد بن منصور أيضا بسنده عن أبي سعيد مولى المهري قال قال رسول