الصفحة 110 من 279

وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ مِنْ الْعَبْدِ قَدْ رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ كَمَا فِي السُّنَنِ: عَنْهُ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: { أَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنْ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ , وَلَيْلَةَ الْجُمُعَةِ , فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ قَالُوا: كَيْفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيْكَ وَقَدْ رَمَمْتَ , أَيْ بَلِيتَ . فَقَالَ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ لُحُومَ الْأَنْبِيَاءِ } ". وَفِي النَّسَائِيّ وَغَيْرِهِ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: { إنَّ اللَّهَ وَكَّلَ بِقَبْرِي مَلَائِكَةً يُبَلِّغُونِي عَنْ أُمَّتِي السَّلَامَ } ". وَمَعَ هَذَا لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ إنَّ الدُّعَاءَ مُسْتَجَابٌ عِنْدَ قَبْرِهِ , وَلَا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَحَرَّى الدُّعَاءَ مُتَوَجِّهًا إلَى قَبْرِهِ , بَلْ نَصُّوا عَلَى نَقِيضِ ذَلِكَ ؟ وَاتَّفَقُوا كُلُّهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يُدْعَى مُسْتَقْبِلَ الْقَبْرِ وَتَنَازَعُوا فِي السَّلَامِ عَلَيْهِ فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ كَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا يُسَلَّمُ عَلَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقَبْرِ , وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ , وَأَظُنُّهُ مَنْقُولًا عَنْهُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: بَلْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ , بَلْ نَصَّ أَئِمَّةُ السَّلَفِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُوقَفُ عِنْدَهُ لِلدُّعَاءِ مُطْلَقًا كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ إسْمَاعِيلُ بْنُ إسْحَاقَ فِي كِتَابِ الْمَبْسُوطِ , وَذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ قَالَ مَالِكٌ لَا أَرَى أَنْ يَقِفَ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَيَدْعُو وَلَكِنْ يُسَلِّمُ وَيَمْضِي . وَقَالَ أَيْضًا فِي الْمَبْسُوطِ": لَا بَأْسَ لِمَنْ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ أَوْ خَرَجَ إلَى سَفَرٍ , أَنْ يَقِفَ عَلَى قَبْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَيُصَلِّيَ عَلَيْهِ , وَيَدْعُوَ لَهُ , وَلِأَبِي بَكْرٍ , وَعُمَرَ . فَقِيلَ لَهُ: فَإِنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَا يَقْدَمُونَ مِنْ سَفَرٍ وَلَا يُرِيدُونَهُ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِي الْيَوْمِ مَرَّةً أَوْ أَكْثَرَ , وَرُبَّمَا وَقَفُوا فِي الْجُمُعَةِ أَوْ الْيَوْمِ الْمَرَّةَ وَالْمَرَّتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ عِنْدَ الْقَبْرِ فَيُسَلِّمُونَ وَيَدْعُونَ سَاعَةً . فَقَالَ: لَمْ يَبْلُغْنِي هَذَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ بِبَلْدَتِنَا . وَلَا يُصْلِحُ آخِرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ إلَّا مَا أَصْلَحَ أَوَّلَهَا , وَلَمْ يَبْلُغْنِي عَنْ أَوَّلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَصَدْرِهَا أَنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ إلَّا مَنْ جَاءَ مِنْ سَفَرٍ أَوْ أَرَادَهُ . قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: رَأَيْت أَهْلَ الْمَدِينَةِ إذَا خَرَجُوا مِنْهَا أَوْ دَخَلُوهَا أَتَوْا الْقَبْرَ وَسَلَّمُوا , قَالَ: وَذَلِكَ دَأْبِي , فَهَذَا مَالِكٌ وَهُوَ أَعْلَمُ أَهْلِ زَمَانِهِ أَيْ زَمَنِ تَابِعِ التَّابِعِينَ بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ الَّذِينَ كَانَ أَهْلُهَا فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ أَعْلَمُ النَّاسِ بِمَا يُشْرَعُ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَكْرَهُونَ الْوُقُوفَ لِلدُّعَاءِ بَعْدَ السَّلَامِ عَلَيْهِ , وَبَيَّنَ أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ هُوَ الدُّعَاءُ لَهُ وَلِصَاحِبَيْهِ وَهُوَ الْمَشْرُوعُ مِنْ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ , وَأَنَّ ذَلِكَ أَيْضًا لَا يُسْتَحَبُّ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ كُلَّ وَقْتٍ , بَلْ عِنْدَ الْقُدُومِ مِنْ سَفَرٍ أَوْ إرَادَتِهِ , لِأَنَّ ذَلِكَ تَحِيَّةٌ لَهُ , وَالْمُحَيَّا لَا يُقْصَدُ بَيْتُهُ كُلَّ وَقْتٍ لِتَحِيَّتِهِ بِخِلَافِ الْقَادِمِينَ مِنْ السَّفَرِ . وَقَالَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي وَهْبٍ: إذَا سَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَقِفُ وَجْهُهُ إلَى الْقَبْرِ لَا إلَى الْقِبْلَةِ , وَيَدْنُو وَيُسَلِّمُ وَلَا يَمَسُّ الْقَبْرَ بِيَدِهِ وَكَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يُقَالَ زُرْنَا قَبْرَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ كَرَاهَةُ مَالِكٍ لَهُ لِإِضَافَتِهِ إلَى قَبْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِقَوْلِهِ: { اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ } "يَنْهَى عَنْ إضَافَةِ هَذَا اللَّفْظِ إلَى الْقَبْرِ وَالتَّشَبُّهِ بِفِعْلِ ذَلِكَ قَطْعًا لِلذَّرِيعَةِ وَحَسْمًا لِلْبَابِ . قُلْت: وَالْأَحَادِيثُ الْكَثِيرَةُ الْمَرْوِيَّةُ فِي زِيَارَةِ قَبْرِهِ كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ , بَلْ مَوْضُوعَةٌ لَمْ يَرْوِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت