الصفحة 139 من 279

بَابُ الِاعْتِكَافِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ } وَمَعْنَى الِاعْتِكَافِ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ هُوَ اللَّبْثُ , قَالَ اللَّهُ: { مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ } وَقَالَ تَعَالَى: { فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ } , وَقَالَ الطِّرِمَّاحُ: فَبَاتَتْ بَنَاتُ اللَّيْلِ حَوْلِي عُكَّفًا عُكُوفَ الْبَوَاكِي بَيْنَهُنَّ صَرِيعُ ثُمَّ نُقِلَ فِي الشَّرْعِ إلَى مَعَانٍ أُخَرَ مَعَ اللَّبْثِ لَمْ يَكُنْ الِاسْمُ يَتَنَاوَلُهَا فِي اللُّغَةِ ; مِنْهَا الْكَوْنُ فِي الْمَسْجِدِ , وَمِنْهَا الصَّوْمُ , وَمِنْهَا تَرْكُ الْجِمَاعِ رَأْسًا وَنِيَّةُ التَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ , وَلَا يَكُونُ مُعْتَكِفًا إلَّا بِوُجُودِ هَذِهِ الْمَعَانِي , وَهُوَ نَظِيرُ مَا قُلْنَا فِي الصَّوْمِ إنَّهُ اسْمٌ لِلْإِمْسَاكِ فِي اللُّغَةِ ثُمَّ زِيدَ فِيهِ مَعَانٍ أُخَرُ لَا يَكُونُ الْإِمْسَاكُ صَوْمًا شَرْعِيًّا إلَّا بِوُجُودِهَا . وَأَمَّا شَرْطُ اللَّبْثِ فِي الْمَسْجِدِ فَإِنَّهُ لِلرِّجَالِ خَاصَّةً دُونَ النِّسَاءِ , وَأَمَّا شَرْطُ كَوْنِهِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الِاعْتِكَافِ فَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: { وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ } فَجَعَلَ مِنْ شَرْطِ الِاعْتِكَافِ الْكَوْنَ فِي الْمَسْجِدِ , وَقَدْ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي يَجُوزُ الِاعْتِكَافُ فِيهِ عَلَى أَنْحَاءٍ . وَرُوِيَ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ: رَأَيْتُ نَاسًا عُكُوفًا بَيْنَ دَارِكَ وَدَارِ الْأَشْعَرِيِّ لَا تُعِيرُ . وَقَدْ عَلِمْتَ أَنْ لَا اعْتِكَافَ إلَّا فِي الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةَ أَوْ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَعَلَّهُمْ أَصَابُوا وَأَخْطَأْتَ وَحَفِظُوا وَنَسِيتَ , وَرَوَى إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ أَنَّ حُذَيْفَةَ قَالَ:"لَا اعْتِكَافَ إلَّا فِي ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ , وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى , وَمَسْجِدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم", وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ:"لَا اعْتِكَافَ إلَّا فِي مَسْجِدِ نَبِيٍّ", وَهَذَا مُوَافِقٌ لِمَذْهَبِ حُذَيْفَةَ ; لِأَنَّ الْمَسَاجِدَ الثَّلَاثَةَ هِيَ مَسَاجِدُ الْأَنْبِيَاءِ عليهم السلام . وَقَوْلٌ آخَرُ ; وَهُوَ مَا رَوَى إسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ:"لَا اعْتِكَافَ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَوْ مَسْجِدِ النَّبِيِّ عليه السلام". وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَعَائِشَةَ وَإِبْرَاهِيمَ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَأَبِي جَعْفَرٍ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ:"لَا اعْتِكَافَ إلَّا فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ"فَحَصَلَ مِنْ اتِّفَاقِ جَمِيعِ السَّلَفِ أَنَّ مِنْ شَرْطِ الِاعْتِكَافِ الْكَوْنَ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى اخْتِلَافٍ مِنْهُمْ فِي عُمُومِ الْمَسَاجِدِ وَخُصُوصِهَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي بَيَّنَّا ; وَلَمْ يَخْتَلِفْ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ فِي جَوَازِ الِاعْتِكَافِ فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ الَّتِي تُقَامُ فِيهَا الْجَمَاعَاتُ إلَّا شَيْءٌ يُحْكَى عَنْ مَالِكٍ ذَكَرَهُ عَنْهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ قَالَ:"لَا يَعْتَكِفُ أَحَدٌ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ أَوْ فِي رِحَابَ الْمَسَاجِدِ الَّتِي تَجُوزُ فِيهَا الصَّلَاةُ". وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: { وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ } يُبِيحُ الِاعْتِكَافَ فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ لِعُمُومِ اللَّفْظِ , وَاقْتَصَرَ بِهِ عَلَى بَعْضِهَا فَعَلَيْهِ بِإِقَامَةِ الدَّلَالَةِ , وَتَخْصِيصُهُ بِمَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ لَا دَلَالَةَ عَلَيْهِ , كَمَا أَنَّ تَخْصِيصَ مَنْ خَصَّهُ بِمَسَاجِدِ الْأَنْبِيَاءِ لَمَّا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ سَقَطَ اعْتِبَارُهُ . فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُهُ عليه السلام: { لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَمَسْجِدِي هَذَا } يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ تَخْصِيصِ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ , وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ عليه السلام: { صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِي غَيْرِهِ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ } يَدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصِ هَذَيْنِ الْمَسْجِدَيْنِ بِالْفَضِيلَةِ دُونَ غَيْرِهِمَا , قِيلَ لَهُ: لَعَمْرِي إنَّ هَذَا الْقَوْلَ مِنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي تَخْصِيصِهِ الْمَسَاجِدَ الثَّلَاثَةَ فِي حَالٍ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت