فهرس الكتاب
قُلْنَا: الْمَشْيُ لَمْ يُوجِبْهُ الْإِحْرَامُ , وَلَا هُوَ مِنْ مَنَاسِكِهِ , فَلَمْ يَجِبْ بِتَرْكِهِ هَدْيٌ , كَمَا لَوْ نَذَرَ صَلَاةَ رَكْعَتَيْنِ فِي الْحَجِّ , فَلَمْ يُصَلِّهِمَا . فَأَمَّا إنْ تَرَكَ الْمَشْيَ مَعَ إمْكَانِهِ , فَقَدْ أَسَاءَ , وَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ أَيْضًا ; لِتَرْكِهِ صِفَةَ النَّذْرِ . وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنْ يَلْزَمَهُ اسْتِئْنَافُ الْحَجِّ مَاشِيًا ; لِتَرْكِهِ صِفَةَ الْمَنْذُورِ , كَمَا لَوْ نَذَرَ صَوْمًا مُتَتَابِعًا فَأَتَى بِهِ مُتَفَرِّقًا . وَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْمَشْيِ بَعْدَ الْحَجِّ , كَفَّرَ , وَأَجْزَأَهُ . وَإِنْ مَشَى بَعْضَ الطَّرِيقِ , وَرَكِبَ بَعْضًا , فَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ , يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ , وَهُوَ أَنْ يَحُجَّ فَيَمْشِيَ مَا رَكِبَ , وَيَرْكَبَ مَا مَشَى . وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُجْزِئَهُ إلَّا حَجٌّ يَمْشِي فِي جَمِيعِهِ ; لِأَنَّ ظَاهِرَ النَّذْرِ يَقْتَضِي هَذَا . وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ , أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ بِتَرْكِ الْمَشْيِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ كَفَّارَةٍ ; لِأَنَّ الْمَشْيَ غَيْرُ مَقْصُودٍ فِي الْحَجِّ , وَلَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِاعْتِبَارِهِ فِي مَوْضِعٍ , فَلَمْ يَلْزَمْ بِتَرْكِهِ أَكْثَرُ مِنْ كَفَّارَةٍ , كَمَا لَوْ نَذَرَ الْتَّحَفِّي وَشِبْهَهُ , وَفَارَقَ التَّتَابُعَ فِي الصِّيَامِ ; فَإِنَّهَا صِفَةٌ مَقْصُودَةٌ فِيهِ , اعْتَبَرَهَا الشَّرْعُ فِي صِيَامِ الْكَفَّارَاتِ , كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَالْجِمَاعِ وَالْيَمِينِ .
( 8185 ) فَصْلٌ: إذَا نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى الْبَلَدِ الْحَرَامِ , أَوْ بُقْعَةٍ مِنْهُ , كَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَأَبِي قُبَيْسٍ , أَوْ مَوْضِعٍ فِي الْحَرَمِ , لَزِمَهُ الْحَجُّ أَوْ عُمْرَةٌ . نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ . وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَلْزَمُهُ إلَّا أَنْ يَنْذُرَ الْمَشْيَ إلَى الْكَعْبَةِ , أَوْ إلَى مَكَّةَ . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ , وَمُحَمَّدٌ إنَّ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى الْحَرَمِ , أَوْ إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَقَوْلِنَا , وَفِي بَاقِي الصُّوَرِ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَنَا , أَنَّهُ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى مَوْضِعٍ مِنْ الْحَرَمِ أَشْبَهَ النَّذْرَ إلَى مَكَّةَ . فَأَمَّا إنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى غَيْرِ الْحَرَمِ , كَعَرَفَةَ , وَمَوَاقِيتِ الْإِحْرَامِ , وَغَيْرِ ذَلِكَ , لَمْ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ , وَيَكُونُ كَنَذْرِ الْمُبَاحِ . وَكَذَلِكَ إنْ نَذَرَ إتْيَانَ مَسْجِدٍ سِوَى الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ , لَمْ يَلْزَمْهُ إتْيَانُهُ . وَإِنْ نَذَرَ الصَّلَاةَ فِيهِ , لَزِمَهُ الصَّلَاةُ دُونَ الْمَشْيِ , فَفِي أَيِّ مَوْضِعٍ صَلَّى أَجْزَأَهُ ; لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَخُصُّ مَكَانًا دُونَ مَكَان , فَلَزِمَتْهُ الصَّلَاةُ دُونَ الْمَوْضِعِ . وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا إلَّا عَنْ اللَّيْثِ , فَإِنَّهُ قَالَ: لَوْ نَذَرَ صَلَاةً أَوْ صِيَامًا بِمَوْضِعٍ , لَزِمَهُ فِعْلُهُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ , وَمَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى مَسْجِدٍ , مَشَى إلَيْهِ . قَالَ الطَّحَاوِيُّ: وَلَمْ يُوَافِقْهُ عَلَى ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ ; وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: { لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ , الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ , وَمَسْجِدِي هَذَا , وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى . } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . وَلَوْ لَزِمَهُ الْمَشْيُ إلَى مَسْجِدٍ بَعِيدٍ لَشَدَّ الرَّحْلَ إلَيْهِ ; وَلِأَنَّ الْعِبَادَةَ لَا تَخْتَصُّ بِمَكَانٍ دُونَ مَكَان , فَلَا يَكُونُ فِعْلُهَا فِيمَا نَذَرَ فِعْلَهَا فِيهِ قُرْبَةً , فَلَا تَلْزَمُهُ بِنَذْرِهِ , وَفَارَقَ مَا لَوْ نَذَرَ الْعِبَادَةَ فِي يَوْمٍ بِعَيْنِهِ , لَزِمَهُ فِعْلُهَا فِيهِ ; لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - عَيَّنَ لِعِبَادَتِهِ زَمَنًا وَوَقْتًا مُعَيَّنًا , وَلَمْ يُعَيِّنْ لَهَا مَكَانًا وَمَوْضِعًا , وَالنُّذُورُ مَرْدُودَةٌ إلَى أُصُولِهَا فِي الشَّرْعِ , فَتَعَيَّنَتْ بِالزَّمَانِ دُونَ الْمَكَانِ .