الصفحة 155 من 279

( الشَّرْحُ ) اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ إلَّا فِي الْحَالَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ عَلَى تَفْصِيلٍ يَأْتِي فِيهِمَا فِي مَوْضِعِهِمَا , وَهَذَا لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِيهِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ وَإِنْ اُخْتُلِفَ فِي تَفْصِيلِهِ . وَالْمُرَادُ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ هُنَا الْكَعْبَةُ نَفْسُهَا . وَشَطْرُ الشَّيْءِ يُطْلَقُ عَلَى جِهَتِهِ وَنَحْوِهِ وَيُطْلَقُ عَلَى نِصْفِهِ . وَالْمُرَادُ هُنَا الْأَوَّلُ . وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ قَدْ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْكَعْبَةُ فَقَطْ , وَقَدْ يُرَادُ بِهِ الْمَسْجِدُ حَوْلَهَا مَعَهَا , وَقَدْ يُرَادُ بِهِ مَكَّةُ كُلُّهَا , وَقَدْ يُرَادُ بِهِ مَكَّةُ مَعَ الْحَرَمِ حَوْلَهُمَا بِكَمَالِهِ , وَقَدْ جَاءَتْ نُصُوصُ الشَّرْعِ بِهَذِهِ الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ , فَمِنْ الْأَوَّلِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: { فَوَلِّ وَجْهَك شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } وَمِنْ الثَّانِي قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم {: صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ } وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: { لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ } إلَى آخِرِهِ وَمِنْ الرَّابِعِ قوله تعالى: { إنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ } وَأَمَّا الثَّالِثُ وَهُوَ مَكَّةُ فَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ: هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى } وَكَانَ الْإِسْرَاءُ مِنْ دُورِ مَكَّةَ . وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: { ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامَ } قِيلَ: مَكَّةُ , وَقِيلَ: الْحَرَمُ , وَهُمَا وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا سَنُوَضِّحُهُمَا فِي كِتَابِ الْحَجِّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى , وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى {: وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ } هُوَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ الْمَسْجِدُ حَوْلَ الْكَعْبَةِ مَعَ الْكَعْبَةِ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَلَا إجَارَتُهُ , وَالنَّاسُ فِيهِ سَوَاءٌ . وَأَمَّا دُورُ مَكَّةَ وَسَائِرُ بِقَاعِهَا فَيَجُوزُ بَيْعُهَا وَإِجَارَتُهَا . وَحَمَلَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ وَافَقَهُ عَلَى جَمِيعِ الْحَرَمِ فَلَمْ يُجَوِّزُوا بَيْعَ شَيْءٍ مِنْهُ وَلَا إجَارَتَهُ وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مَبْسُوطَةً حَيْثُ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ , فَهَذَا مُخْتَصَرُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَسْجِدِ , وَقَدْ بَسَطْته فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى وَيُسْتَحَبُّ زِيَارَةُ قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: { مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي } وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم { صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا تَعْدِلُ أَلْفَ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْمَسَاجِدِ }

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت