الصفحة 204 من 279

وَشَرَعَ فِي بَيَانِ حُكْمِهِ فِي غَيْرِهِمَا بِقَوْلِهِ: ( وَأَمَّا ) نَاذِرُ الْمَشْيِ إلَى أَحَدِ الْمَسَاجِدِ ( غَيْرِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ مَسَاجِدَ ) مَسْجِدُ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ , وَإِيلْيَاءَ ( فَلَا ) يَلْزَمُهُ أَنْ ( يَأْتِيَهَا ) مِنْ مَوْضِعِ نَذْرِهِ لَا ( مَاشِيًا , وَلَا رَاكِبًا لِصَلَاةٍ نَذَرَهَا ) فِيهَا , وَلَا لِاعْتِكَافٍ , وَلَا لِصَوْمٍ . ( وَلْيُصَلِّ ) أَوْ يَعْتَكِفْ أَوْ يَصُمْ ( بِمَوْضِعِهِ ) , وَلَا يَتْرُكُ فِعْلَ مَا نَذَرَهُ ; لِأَنَّهُ طَاعَةٌ وَيَسْقُطُ عَنْهُ السَّعْيُ ; لِأَنَّهُ لَا قُرْبَةَ فِيهِ إلَى غَيْرِ مَكَّةَ , وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: وَلْيُصَلِّ بِمَوْضِعِهِ , وَلَوْ كَانَ الْمَوْضِعُ الَّذِي نَذَرَ الصَّلَاةَ فِيهِ قَرِيبًا لِمَوْضِعِهِ , وَهَذَا قَوْلٌ وَمُقَابِلُهُ يُحْكَى الْخِلَافُ فِي الْقَرِيبِ جِدًّا , فَقِيلَ: يَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ إلَيْهِ , وَقِيلَ: يَفْعَلُ مَا نَذَرَهُ بِمَوْضِعِهِ , وَلَا يَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ إلَى غَيْرِهِ , وَلَوْ قَرُبَ جِدًّا كَالْأَمْيَالِ الْيَسِيرَةِ . قَالَ خَلِيلٌ بِالْعَطْفِ عَلَى مَا يُلْغَى: وَمَشْيٌ لِمَسْجِدٍ , وَإِنْ لِاعْتِكَافٍ إلَّا الْقَرِيبَ جِدًّا فَقَوْلَانِ . قَالَ شَارِحُهُ: أَيْ إنَّ مَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى مَسْجِدٍ غَيْرِ الثَّلَاثَةِ وَلَوْ لِاعْتِكَافٍ أَوْ صَلَاةٍ فِيهِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ مَا نَذَرَهُ فِيهِ وَإِنَّمَا يَفْعَلُهُ بِمَوْضِعِ نَذْرِهِ إلَّا الْقَرِيبُ جِدًّا فَفِيهِ قَوْلَانِ بِالْإِتْيَانِ إلَيْهِ وَعَدَمِهِ وَيَفْعَلُ مَنْذُورَهُ بِمَوْضِعِهِ كَالْبَعِيدِ . وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا قَالَ الْمُصَنِّفُ خَبَرُ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ: { لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ مَسْجِدِي هَذَا وَالْمَسْجِدُ الْحَرَامُ وَالْمَسْجِدُ الْأَقْصَى } , وَلَا يَشْكُلُ عَلَى الْمَشْهُورِ خَبَرُ: { مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ } ; لِأَنَّهُ عَامٌّ مَخْصُوصٌ بِهَذِهِ وَخُصَّتْ لِزِيَادَةِ الْفَضْلِ بِهَا فَلَا يَلْحَقُ بِهَا غَيْرَهَا . ( تَنْبِيهٌ ) لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ عَدَمِ لُزُومِ الْمَشْيِ إلَى غَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ , وَبَيْنَ مَا قَالُوهُ مِنْ أَنَّ نَاذِرَ زِيَارَةَ الْمُصْطَفَى صلى الله عليه وسلم أَوْ زِيَارَةَ رَجُلٍ صَالِحٍ حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ يَلْزَمُهُ , وَلَوْ كَانَ بِمَوْضِعٍ بَعِيدٍ عَنْ النَّاذِرِ , وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ ; لِتَوَقُّفِ الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ عَلَى السَّعْيِ إلَيْهِ , بِخِلَافِ نَاذِرِ الصَّلَاةِ فِي غَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ يَحْصُلُ لَهُ الثَّوَابُ فِي أَيِّ مَسْجِدٍ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ تَفَاضُلَهَا فِي غَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ . وَلَكِنْ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِيمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ بَعْدَ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ بَيْتَ الْمَقْدِسِ دُونَهُمَا فِي الْفَضْلِ , فَاَلَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَنَّ الْمَدِينَةَ أَفْضَلُ وَوَافَقَهُ عَلَى هَذَا أَكْثَرُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ , وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ: إنَّ مَكَّةَ أَفْضَلُ . قَالَ خَلِيلٌ: وَالْمَدِينَةُ أَفْضَلُ , ثُمَّ مَكَّةُ أَفْضَلُ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ , وَبَيْتُ الْمَقْدِسِ أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ الْمَسَاجِدِ الْمَنْسُوبَةِ لَهُ صلى الله عليه وسلم كَمَسْجِدِ قُبَاءَ وَمَسْجِدِ الْفَتْحِ , وَمَسْجِدِ الْعِيدِ , وَمَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَغَيْرِهَا , اُنْظُرْ التَّتَّائِيَّ وَالْأُجْهُورِيَّ فِي شَرْحِهِ عَلَى خَلِيلٍ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَالتَّفْضِيلُ مَبْنِيٌّ عَلَى كَثْرَةِ الثَّوَابِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى الْعَمَلِ فِيهِمَا , وَالْخِلَافُ الْمَذْكُورُ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ فِي غَيْرِ قَبْرِ الْمُصْطَفَى صلى الله عليه وسلم لِقِيَامِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَفْضَلِيَّتِهِ عَلَى سَائِرِ بِقَاعِ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتِ وَعَلَى الْكَعْبَةِ وَعَلَى الْعَرْشِ كَمَا نَقَلَهُ السُّبْكِيُّ لِضَمِّهِ أَجْزَاءِ الْمُصْطَفَى الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ الْخَلْقِ عَلَى الْإِطْلَاقِ , وَلَعَلَّ مَعْنَى فَضْلِ الْقَبْرِ عَلَى غَيْرِهِ أَنَّهُ أَعْظَمُ حُرْمَةً مِنْ غَيْرِهِ , لَا لِمَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي تَفْضِيلِ الْمَسَاجِدِ عَلَى بَعْضِهَا فَافْهَمْ .

وفي بريقة محمودية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت