الصفحة 92 من 279

رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلَا أَحَدٌ مِنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ , بَلْ قَدْ نَهَى عَنْ ذَلِكَ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ الْكِبَارُ . وَالْحَدِيثُ الَّذِي يَرْوِيهِ بَعْضُ النَّاسِ { إذَا سَأَلْتُمْ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ بِجَاهِي } هُوَ مِنْ الْمَكْذُوبَاتِ الَّتِي لَمْ يَرْوِهَا أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ , وَلَا هُوَ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ بِمَنْزِلَةِ مَا يَرْوُونَهُ مِنْ قَوْلِهِ: { لَوْ أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ ظَنَّهُ بِحَجَرٍ لَنَفَعَهُ اللَّهُ بِهِ } فَإِنَّ هَذَا أَيْضًا مِنْ الْمَكْذُوبَاتِ . وَقَدْ نَصَّ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْسَمُ عَلَى اللَّهِ بِمَخْلُوقٍ لَا نَبِيٍّ وَلَا غَيْرِهِ , فَمِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ الْقُدُورِيُّ فِي كِتَابِ شَرْحِ الْكَرْخِيِّ"عَنْ بِشْرِ بْنِ الْوَلِيدِ قَالَ: سَمِعْت أَبَا يُوسُفَ قَالَ: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ إلَّا بِهِ , وَأَكْرَهُ أَنْ يَقُولَ: بِمَعَاقِدِ الْعِزِّ مِنْ عَرْشِكَ , وَبِحَقِّ خَلْقِكَ . وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ , وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: بِمَعَاقِدِ الْعِزِّ مِنْ عَرْشِهِ: هُوَ اللَّهُ تَعَالَى , فَلَا أَكْرَهُ هَذَا . وَأَكْرَهُ بِحَقِّ فُلَانٍ , وَبِحَقِّ أَنْبِيَائِكَ , وَرُسُلِكَ , وَبِحَقِّ الْبَيْتِ , وَالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ . قَالَ الْقُدُورِيُّ شَارِحُ الْكِتَابِ: الْمَسْأَلَةُ بِخَلْقِهِ لَا تَجُوزُ ; لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْمَخْلُوقِ عَلَى الْخَالِقِ , فَلَا يَجُوزُ يَعْنِي: وِفَاقًا . قُلْت: وَأَمَّا الِاسْتِشْفَاعُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِهِ , وَهُوَ طَلَبُ الشَّفَاعَةِ مِنْهُ , وَالتَّوَسُّلُ إلَى اللَّهِ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ , وَبِالْإِيمَانِ بِهِ , وَبِمَحَبَّتِهِ وَطَاعَتِهِ وَالتَّوَجُّهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِذَلِكَ , فَهَذَا مَشْرُوعٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ , كَمَا جَاءَتْ بِذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ . وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ - رضي الله عنه - عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: { لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ , أَغِثْنِي , فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَك مِنْ اللَّهِ شَيْئًا , قَدْ أَبْلَغْتُكَ } . وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ صلى الله عليه وسلم: { يَا فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ , لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا , يَا عَبَّاسُ عَمَّ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم , لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا , يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ , لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا , سَلُونِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتُمْ } وَقَالَ ذَلِكَ لِعَشِيرَتِهِ الْأَقْرَبِينَ . وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: { غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبِلَالِهَا } فَبَيَّنَ صلى الله عليه وسلم مَا هُوَ مُوَافِقٌ لِكِتَابِ اللَّهِ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ , وَأَمَّا الْجَزَاءُ بِالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ , فَهُوَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى . كَمَا قَالَ تَعَالَى: { قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ } وَهُوَ صلى الله عليه وسلم قَدْ بَلَّغَ الْبَلَاغَ الْمُبِينَ , قَدْ بَلَّغَ الرِّسَالَةَ , وَأَشْهَدَ اللَّهَ عَلَى أُمَّتِهِ أَنَّهُ بَلَّغَهُمْ , كَمَا جَعَلَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ يَقُولُ: { أَلَا هَلْ بَلَغْتُ ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ , فَيَرْفَعُ إصْبَعَهُ إلَى السَّمَاءِ , وَيَنْكُبُهَا إلَيْهِمْ , وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ . وَأَمَّا إجَابَةُ الدَّاعِي , وَتَفْرِيجُ الْكُرُبَاتِ , وَقَضَاءُ الْحَاجَاتِ , فَهَذَا لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُهُ فِيهِ أَحَدٌ . وَلِهَذَا فَرَّقَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي كِتَابِهِ بَيْنَ مَا فِيهِ حَقٌّ لِلرَّسُولِ , وَبَيْنَ مَا هُوَ لِلَّهِ وَحْدَهُ , كَمَا فِي قوله تعالى: { وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقِهِ فَأُولَئِكَ هُمْ الْفَائِزُونَ } فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ مَا يَسْتَحِقُّهُ الرَّسُولُ مِنْ الطَّاعَةِ , فَإِنَّهُ { مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ } . وَأَمَّا الْخَشْيَةُ وَالتَّقْوَى فَجُعِلَ ذَلِكَ لَهُ سُبْحَانَهُ وَحْدَهُ , وَكَذَلِكَ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت