فهرس الكتاب
وَالزِّيَارَةُ الْبِدْعِيَّةُ: هِيَ مِنْ أَسْبَابِ الشِّرْكِ بِاَللَّهِ تَعَالَى , وَدُعَاءِ خَلْقِهِ , وَإِحْدَاثِ دِينٍ لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ . وَالزِّيَارَةُ الشَّرْعِيَّةُ: هِيَ مِنْ جِنْسِ الْإِحْسَانِ إلَى الْمَيِّتِ بِالدُّعَاءِ لَهُ , كَالْإِحْسَانِ إلَيْهِ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ , وَهِيَ مِنْ الْعِبَادَاتِ لِلَّهِ تَعَالَى الَّتِي يَنْفَعُ اللَّهُ بِهَا الدَّاعِيَ , وَالْمَدْعُوَّ لَهُ , كَالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَطَلَبِ الْوَسِيلَةِ , وَالدُّعَاءِ لِسَائِرِ الْمُؤْمِنِينَ: أَحْيَائِهِمْ وَأَمْوَاتِهِمْ . وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْمُتَنَازَعُ فِيهَا: فَالزِّيَارَةُ الْمَأْذُونُ فِيهَا , هَلْ فِيهَا إذْنٌ لِلنِّسَاءِ , وَنَسْخٌ لِلنَّهْيِ فِي حَقِّهِنَّ ؟ أَوْ لَمْ يَأْذَنْ فِيهَا , بَلْ هُنَّ مَنْهِيَّاتٌ عَنْهَا ؟ وَهَلْ النَّهْيُ نَهْيُ تَحْرِيمٍ , أَوْ تَنْزِيهٍ ؟ فِي ذَلِكَ لِلْعُلَمَاءِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ مَعْرُوفَةٍ , وَالثَّلَاثَةُ أَقْوَالٍ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ , وَأَحْمَدَ أَيْضًا , وَغَيْرِهِمَا . وَقَدْ حُكِيَ فِي ذَلِكَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ عَنْ أَحْمَدَ . وَهُوَ نَظِيرُ تَنَازُعِهِمْ فِي تَشْيِيعِ النِّسَاءِ لِلْجَنَائِزِ , وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ يُرَخِّصُ فِي الزِّيَارَةِ دُونَ التَّشْيِيعِ , كَمَا اخْتَارَ ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ . فَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ النِّسَاءَ مَأْذُونٌ لَهُنَّ فِي الزِّيَارَةِ , وَأَنَّهُ أَذِنَ لَهُنَّ كَمَا أَذِنَ لِلرِّجَالِ , وَاعْتَقَدَ أَنَّ قَوْلَهُ صلى الله عليه وسلم: { فَزُورُوهَا فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمْ الْآخِرَةَ } خِطَابٌ عَامٌّ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ . وَالصَّحِيحُ أَنَّ النِّسَاءَ لَمْ يَدْخُلْنَ فِي الْإِذْنِ فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ لِعِدَّةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ قَوْلَهُ صلى الله عليه وسلم:"فَزُورُوهَا"صِيغَةُ تَذْكِيرٍ , وَصِيغَةُ تَذْكِيرٍ إنَّمَا تَتَنَاوَلُ الرِّجَالَ بِالْوَضْعِ , وَقَدْ تَتَنَاوَلُ النِّسَاءَ أَيْضًا عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ , لَكِنْ هَذَا فِيهِ قَوْلَانِ: قِيلَ: إنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ , وَحِينَئِذٍ فَيَحْتَاجُ تَنَاوُلُ ذَلِكَ لِلنِّسَاءِ إلَى دَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ , وَقِيلَ: إنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ , وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ دُخُولُ النِّسَاءِ بِطَرِيقِ الْعُمُومِ الضَّعِيفِ , وَالْعَامُّ لَا يُعَارِضُ الْأَدِلَّةَ الْخَاصَّةَ الْمُسْتَفِيضَةَ فِي نَهْيِ النِّسَاءِ , كَمَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى , بَلْ وَلَا يَنْسَخُهَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ , وَإِنْ عُلِمَ تَقَدُّمُ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ . الْوَجْهُ الثَّانِي أَنْ يُقَالَ: لَوْ كَانَ النِّسَاءُ دَاخِلَاتٍ فِي الْخِطَابِ , لَاسْتُحِبَّ لَهُنَّ زِيَارَةُ الْقُبُورِ , كَمَا اُسْتُحِبَّ لِلرِّجَالِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَلَّلَ بِعِلَّةٍ تَقْتَضِي الِاسْتِحْبَابَ , وَهِيَ قَوْلُهُ: { فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمْ الْآخِرَةَ } وَلِهَذَا تَجُوزُ زِيَارَةُ قُبُورِ الْمُشْرِكِينَ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ زَارَ قَبْرَ أُمِّهِ , وَقَالَ: { اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأُمِّي فَلَمْ يَأْذَنْ لِي , وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي , فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمْ الْآخِرَةَ } . وَأَمَّا زِيَارَتُهُ لِأَهْلِ الْبَقِيعِ فَذَلِكَ فِيهِ أَيْضًا الِاسْتِغْفَارُ لَهُمْ وَالدُّعَاءُ , كَمَا عَلَّمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أُمَّتَهُ إذَا زَارُوا قُبُورَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُسَلِّمُوا عَلَيْهِمْ , وَيَدْعُوا لَهُمْ . فَلَوْ كَانَتْ زِيَارَةُ الْقُبُورِ مَأْذُونًا فِيهَا لِلنِّسَاءِ لَاسْتُحِبَّ لَهُنَّ , كَمَا اُسْتُحِبَّ لِلرِّجَالِ , لِمَا فِيهَا مِنْ الدُّعَاءِ لِلْمُؤْمِنِينَ , وَتَذَكُّرِ الْمَوْتِ . وَمَا عَلِمْنَا أَنَّ أَحَدًا مِنْ الْأَئِمَّةِ اسْتَحَبَّ لَهُنَّ زِيَارَةَ الْقُبُورِ وَلَا كَانَ النِّسَاءُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَخُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ يَخْرُجْنَ إلَى زِيَارَةِ الْقُبُورِ , كَمَا يَخْرُجُ الرِّجَالُ . وَاَلَّذِينَ رَخَّصُوا فِي الزِّيَارَةِ اعْتَمَدُوا عَلَى مَا يُرْوَى عَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - أَنَّهَا زَارَتْ قَبْرَ أَخِيهَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ , وَكَانَ قَدْ مَاتَ فِي غَيْبَتِهَا وَقَالَتْ: لَوْ