فهرس الكتاب
وقد رددتُ على مواضعَ من كتابِهِ في"السعي المشكور"، وفي عزمي إن ساعدني التَّوفيقُ أن أرد كتابَهُ ردًا مُستقلًا ، وأُورد فيه كلامًا وافيا ، بحيث يتوب وجهُ وروحُ شيخِهِ وصاحبيِهِ عمَّا اقترفاهُ ـ فرحمهم اللهُ رحمةً واسعةً ـ لقد كانوا عديمي النَّظير في تبحرِهِم ، مُستحقينَ لأن تُقبلَ جميعُ أقوالِهم ويُفتخَرُ بتحقيقاتِهم لولا ما كسبوهُ من الأقوالِ السَّخيفةِ والآراءِ المردودةِ .
وأمَّا الإِمَام مالكٍ فقد نَقَلَ ابنُ تَيْميَّة واتباعُهُ: أَنَّهُ أَيْضًا ذاهبٌ إِلَى هذا الرَّأي ، لكنهم مؤاخذون بتصحيحِ نَقلٍ صحيحٍ صريحٍ ، وكتبُ المالكيةِ مُكذِبَةٌ لهم ، وأصحابُ مالكٍ يُنكرونَ أن يكونَ هذا مذهبُ إمامهم ؛ وهم أعرفُ به من غيرهم. وبالجملةِ فهذا الرَّأي سخيفٌ جدًا ، ولا عبرة في هذا إِلَى الذَّاهبِ مالكًا كان أَوْ غيرَهُ ، عياضًا كان أَوْ غيرَهُ ، ابنَ تَيْميَّةَ كان أَوْ غيرَهُ .
فانظر إِلَى ما قال ولا تنظر إِلَى مَن قال.
وجمهورُ علماءِ الأُمَّةِ وأكثرُ محقِّقي الملةِ منكرونَ عن هذا الرأي أشدَّ الأباء ، ويجوزونَ شَدَّ الرِّحال بقصدِ زيارةِ القبورِ لا سيما زِيارة سيدِ القبورِ ، قبرُ سيدِ أهلِ القبورِ ، بل صَرَحَ بعضُهم بندبِ السَّفرِ إِلَى المدينةِ بقصدِ نفسِ الزِّيارةِ وتَجريدِ السَّفرِ له عن السَّفرِ بقصدِ مسجدِهِ .
وقد رأيتُ في المنامِ عند تأليف"السعي المشكور"وبلوغي إِلَى بحثِ شَدِّ الرِّحال ما أكدَ رأيي (1) ، وأن ما ذهبَ إِلَيْه الجمهورُ هو الصَّوابُ النَّقي ، فله الحمدُ على ذلك ، وهذا إِذَا كان المقصودُ من السَّفرِ نفسَ زيارةِ القبورِ على الوجوهِ الشَّرعيةِ .
(1) في الأصل"رأي".