فهرس الكتاب
وقد اتخذ ابن جني في هذه القضيةِ المقياسَ الذي همس به في أذنه شيخه أبو علي الفارسي، وجعله قانونًا للإبدال، ويتلخص هذا الأصل في أن أصل القلب في الحروف إنما هو فيما تقارب منها، وذلك كـ: الدال، والطاء، والتاء، والذال، والظاء، والثاء، والهاء والهمزة، والميم والنون وغير ذلك مما تدانت مخارجه (1) .
2_ قلة التصرف لأحد اللفظين: وذلك بألا يتصرف أحد اللفظين تصرفًا كاملًا، أما إذا تصرف كلٌّ منهما تصرفًا تامًا من ناحية الأفعال، أو المشتقات فلا يكونان من الإبدال؛ بل يكون كل واحد منهما أصلًا بذاته.
فلو وجد التقارب الصوتي كما بين الذال، والثاء ولكن التصرف كامل في كلا اللفظين لم يعد ذلك من الإبدال عند ابن جني.
مثال ذلك: جَدَثٌ وجَدَفٌ: والجمع أجداث وأجداف وهي القبور.
يرى ابن جني أن ذلك من الإبدال؛ لعدم اكتمال التصرف في أحد اللفظين؛ فالأول منهما يتصرف تصرفًا تامًا بحيث يقال: جدث، وأجداث، وأجدثت، وما جرى مجرى ذلك.
ولا يقال مثل هذا في: جدف؛ إذ لم يسمع أجدفت. . .
وكذلك: بل، وبَنْ.
أما مثل: هتن وهتل فلا يرى أنهما من الإبدال وإن كان بينهما تقارب صوتي؛ لأنهما أصلان لتساويهما في التصرف.
وبهذا يُخْرج ألفاظًا كثير في اللغة من الإبدال.
قال ابن جني ×: =فمتى أمكن أن يكون الحرفان جميعًا أصلين كل واحد منهما قائم برأسه لم يَسُغِ العدول عن الحكم بذلك؛ فإن دلَّ دالٌّ، أو دعت ضرورة إلى القول بإبدال أحدهما عن صاحبه عُمِل بموجب الدلالة، وصير إلى مقتضى الصنعة.
ومن ذلك: سُكَّرٌ طبرزل وطبرزن: هما متساويان في الاستعمال؛ فلست بأن تجعل أحدهما أصلًا لصاحبه أولى منك بحمله على ضده.
ومن ذلك قولهم: هتلت السماء وهتنت: هما أصلان؛ ألا تراهما متساويين في التصرف؛ يقولون: هتنت السماء تهتن تهتانًا، وهتلت تهتل تهتالًا، وهي سحائب هُتَّنٌ وهتَّلٌ، قال امرؤ القيس:
فسحت دموعي في الرداء كأنها
(1) _ انظر سر صناعة الإعراب 1/36 و 180.