فهرس الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى: إنّهُم يرونهُ بعيدًا ونراهُ قريبًا يقول تعالى ذكره: إن هؤلاء المشركين يرون العذاب الذي سألوا عنه، الواقع عليهم، بعيدا وقوعه، وإنما أخبر جلّ ثناؤه أنهم يرون ذلك بعيدا، لأنهم كانوا لا يصدّقون به، وينكرون البعث بعد الممات، والثواب والعقاب، فقال: إنهم يرونه غير واقع، ونحن نراه قريبا، لأنه كائن، وكلّ ما هو آت قريب.
وفي تفسير أبي السعود:- قوله تعالى: {إنّهُم يرونهُ بعيدًا * ونراهُ قريبًا} ولذلك يرون مجيئه بعيدًا ويتّخذونه ذريعةً إلى إنكاره ويجترئون على الاستعجال به ولا يدرون أنّ معيار تقدير الأمور كلّها وقوعًا وأخبارًا ما عنده تعالى من المقدار. وقراءة يعدّون على صيغة الغيبة أي يعده المستعجلون أوفقُ لهذا المعنى وقد جعل الخطابُ في القراءة المشهورة لهم أيضًا بطريق الالتفات لكن الظّاهرُ أنّه للرسول عليه السّلامُ ومن معه من المؤمنين، وقيل: المرادُ بوعده تعالى ما جعل لهلاك كلّ أُمّةٍ من موعد معيّنٍ وأجل مسمّى كما في قوله تعالى: {ويستعجلُونك بالعذاب ولولا أجلٌ مُّسمًّى لّجاءهُمُ العذاب} فتكون الجملةُ الأُولى حالية كانت أو اعتراضيةً مبيّنة لبطلان الاستعجال به ببيان استحالة مجيئه قبل وقته الموعود والجملةُ الأخيرةُ بيانًا لبطلانه ببيان ابتناء على استطالة ما هو قصير عنده تعالى على الوجه الذي مرّ بيانُه فلا يكون في النّظم الكريم حينئذٍ تعرُّضٌ لإنكارهم الذي دسُّوه تحت الاستعجال بل يكون الجوابُ مبنيًّا على ظاهر مقالهم ويكتفى في ردّ إنكارهم ببيان عاقبة من قبلهم من أمثالهم. هذا وحملُ المستعجل به على عذاب الآخرة وجعلُ اليّوم عبارةً عن يوم العذاب المستطال لشدّته أو عن أيام الآخرة الطّويلة حقيقةً أو المُستطالة لشدّة عذابها ممّا لا يُساعده سباقُ النّظم الجليل ولا سياقُه فإنّ كُلاًّ منهما ناطقٌ بأنّ المراد هو العذابُ الدُّنيويُّ وأن الزّمان الممتدُّ هو الذي مرّ عليهم قبل حلوله بطريق الإملال لا الزّمانُ المقارن له.