فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 80

وكانوا ينتظرون من المثقفين تصحيح معلومات الرئيس ابتداءً من تعريفه بأن طالبان ليست فرقة موسيقية!! وانتهاءً بنصحه بالتريث في الإقدام على سحق شعب منهك ضعيف قبل استكمال الأدلة.

نحن نعلم أن الحكومة الأمريكية كانت مهيأة أصلًا للهجوم على أفغانستان، ونحسب أن المثقفين الستين لا ينازعون في ذلك، وعلى أي حال لا نزاع في أن مقتضى العدل أن تثبت التهمة، وأن تكون العقوبة على قدرها، وأن تقتصر على الجاني وحده. وإن اقتضى ذلك زمنًا ما فكم استغرقت قضية مقتل الرئيس كندي من زمن؟ وإذا فرض أن دافع الانتقام أعجل الأمريكيين بقرار الحرب فما المانع أن يفكروا الآن من جديد؟ وأن يكون المفكرون هم الصوت المرتفع بذلك؟

إن العدل يقتضي الاعتذار ويوجب التكفير عن الخطأ ولو أن أمريكا فعلتها لاستطاعت أن تقدمها شهادة لها عند العالم على أنها شجاعة وحرة وعادلة، وحينئذ في إمكان المثقفين أن يتكلموا!!

لكن هيهات أن يكون لها من الصفات ما كان لرسول الرحمة والعدل محمد صلى الله عليه وسلم الذي تبرأ علنًا مما فعله قائده العظيم"خالد"حيث قاتل قبيلة مشركة محاربة للإسلام، لكن هذه القبيلة ادعت أن التباسًا لفظيًا قد وقع أثناء المعركة، فغلّب النبي صلى الله عليه وسلم جانب براءتها بهذه الشبهة وتبرأ مما فعل خالد ودفع ديات المقتولين لأهليهم [1] .

أما الصفح وتغليب العفو فلا نعلم له موضعًا في السياسة أو في القيم الأمريكية لأنه من أخلاق الأنبياء وأتباع الأنبياء وحدهم. فقد قتل المشركون سبعين رجلًا من المسلمين فتوعدهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يقتل منهم مثل ذلك العدد، فلما نصره الله عليهم ودخل مكة قال بعض المسلمين: الآن ينتقم النبي صلى الله عليه وسلم لقتلى المسلمين، لكن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ عليهم قول الله تعالى: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين} وقال: {بل نصبر ونصفح} [2] ، وعفا عنهم جميعًا إلا عددًا قليلًا جدًا كانت لهم جرائم خاصة.

إن ما ذكرتموه من شروط الحرب العادلة جيد، وإن كان لا يرقى إلى مستوى ما حددته الشريعة الإسلامية من إحكام وتفصيل. ولكن السؤال:

هل التزمت حكومتكم به؟

من يستطيع منكم أن يقول نعم؟! والناس كلهم يعلمون أن: كلا!!

(1) المقصود قصة بني جذيمة رواها البخاري والنسائي.

(2) رواه عبد الله بن الإمام احمد بسند صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت