فهرس الكتاب

الصفحة 169 من 234

ويرى وليمز أنّ السبيل إلى ذلك هو من خلال ما يسمّيه بالشعور التركيبي (structure of feeling) وهو اصطلاح يعرف باسمه، ومجمل القول إنّ الروائي ببصيرته النفّاذة يستطيع أن يتحسّس المشاعر المشتركة الموجودة عند أفراد المجتمع وينقذها من حالة التشرذم وهي تعيش في حالة انفصال داخل كل فرد على حدة، بواسطة تركيبها في وحدة شعورية قوية. أليس ارتباط المشاعر بين سعيد ويعاد مثلًا على هذا التركيب الشعوري الذي جعله إميل حبيبي شعورًا أكبر بكثير من شعور مجرّد اثنين، بل نجح إميل حبيبي في أن يجعل هذه المشاعر عند الاثنين مشاعرنا، وبهذا يصبحان، سعيد ويعاد، واقعًا جديدًا فيه من النشوء والارتقاء ما يضمّنا جميعًا تحت لوائه.

لقد استطاع إميل حبيبي خلق الواقع من جديد، من خلال حسّ فنّي يستوعب الواقع بتفاصيله وشموليته، ويصهر التناقض بين الأضداد التي ذكر محمود درويش بعضًا من أطرافها وهي تتركّب على يدي إميل حبيبي في إيقاع حيوي يلغي تشرذمها وهي أحادية الوجود. لقد جعل إميل حبيبي الكلمات تخلق هذا الواقع باستقلالية تختزل المسافة بين الذات وخارجها، بين الخطاب والواقع، والبدايات والنهايات. نجح إميل حبيبي في أن يمكّن اللغة من أن تنطق ليس فقط بلسان حاله، بل بلسان حالنا جميعًا، ليس بحاضره وحده، بل بحاضرنا جميعًا. فهو لم يقم فقط بتصوير الخسارة بل جعلنا نعيش هذه الخسارة مضفيًا عليها من أسلوبه ما يعيننا على تحملها ونحن نبحث عن استرجاع المفقود. وهكذا يتحرك إميل حبيبي بيسر من واقع الخسارة الخاطئ الذي نعيشه ونعايشه قسرًا، إلى منظور يتخطى الخطيئة ذات جماعية باقية، بذات إميل حبيبي نفسه الباقية أبدًا في حيفا.

( المصادر:

-درويش، محمود،"أيها الساخر من كل شيء"، مشارف، العدد 9، حزيران 1996.

-أحد عشر كوكبًا، بيروت، 1992.

-حبيبي، إميل، سداسيّة الأيام الستّة، الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل، وقصص أخرى، بيروت، 1980.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت