فهرس الكتاب
فضيلة ثانية خاصة بمعاوية:
ثَبَتَ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم دعا لمعاوية فقال:"اللهمَّ عَلِّمْهُ الكِتابَ والحِسابَ، وقِهِ العَذاب". [1]
(1) الحديث يرويه معاوية بن صالح، عن يونس بن سيف، عن الحارث بن زياد، عن أبي رُهْم، عن العرباض بن سارية قال: سمعتُ النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يَدعو إلى السحور في شهر رمضان:"هَلُمَّ إلى الغَدَاء المبارك"، ثمَّ سمعتُه يقول:"اللهم علِّم معاويةَ الكتابَ والحِساب، وقِهِ العذاب".
والحديث ذكر البزار وابن عدي أنه لا يُروى إلا بهذا الإسناد.
رواه عن معاوية جماعة من الرواة، وهم:
1)عبد الرحمن بن مهدي:
رواه أحمد في المسند (4/ 127) وفضائل الصحابة (1748) -ومن طريقه الخلال في العلل (141) والسنّة (2/ 449) وابن عساكر (59/ 75) وابن الجوزي في العلل المتناهية (1/ 271) - ثنا عبدالرحمن بن مهدي.
ورواه ابن جرير (البداية والنهاية 11/ 405) وابن خزيمة (1938) وابن حبان (16/ 192) وحمزة الكِنَاني في جزء البطاقة (11 ذكر الشاهد فقط) -ومن طريقه الرافعي في التدوين (3/ 74) والذهبي في معجم الشيوخ (1/ 152 - 154) والتاج السبكي في معجم الشيوخ (ص441) - والآجري (1911 الشاهد) وأبوالقاسم الكتّاني في حديثه (156/ 1 كما في تخريج الأباطيل) والجورقاني (1/ 190) وابن عساكر في تاريخه (59/ 75 - 76) ومعجم شيوخه (2/ 1041 رقم 1341) من طريق عبد الرحمن به.
2)عبد الله بن صالح أبوصالح:
قال يعقوب بن سفيان في المعرفة (2/ 345) : ثنا أبوصالح.
ورواه البغوي في المعجم (5/ 365) والطبراني في الكبير (18/ 251 رقم 628) والشاميين (3/ 169) -وعنه أبونعيم في المعرفة (4/ 2236) وابن عساكر (59/ 76) - والآجري (1913) وعبد العزيز الأزجي في مجلس من الأمالي (مع أمالي ابن بشران 2/ 284) وابن عساكر (59/ 77) وابن الجوزي في العلل المتناهية (1/ 272) من طريق عبد الله بن صالح به.
3)قرة بن سليمان:
رواه البزار في مسنده (10/ 138 رقم 4202/ وفي كشف الأستار برقم 2723) من طريقه.
4)أسد بن موسى:
رواه الطبراني في الكبير (18/ 251 رقم 628) وفي الشاميين (3/ 169) -وعنه أبونعيم في المعرفة (2/ 805) - وابن بشران (1/ 55) وابن أبي الصقر في مشيخته (31) وابن عساكر (59/ 76 عنده الشاهد فقط) من طريق أسد بن موسى.
5)بشر بن السري:
رواه البغوي في المعجم (5/ 364) والآجري (1910) وابن عدي (6/ 2402) وابن بطة في الإبانة وابن عساكر (59/ 77) وابن الجوزي في العلل المتناهية (1/ 271) من طريق بشر بن السري.
6 -10) ورواه آدم، ومعن بن عيسى، وزيد بن الحباب، وعبد الله بن وهب، وعافية بن أيوب في آخرين عن معاوية بن صالح به مثله.
علقه عنهم أبونعيم في المعرفة (2/ 805)
11)الليث بن سعد، ويأتي تفصيل روايته.
والحديث عزاه الإمام الألباني (الصحيحة 3227) لأبي موسى المديني في جزء من الأمالي (ق1/ 2) من طريق يونس به.
فأما مَن روى الحديث عن معاوية بدون الشاهد، فَهُم:
12)حماد بن خالد الخياط:
رواه أحمد (4/ 126) ثنا حماد بن خالد الخياط.
ورواه أبوداود (2344) -ومن طريقه أبوبكر الجَصّاص في أحكام القرآن (1/ 270) - وابن بُشران (1/ 54) والمِزِّي في تهذيب الكمال (5/ 231) من طريق حماد به.
-زيد بن الحباب:
قال ابن أبي شيبة (3/ 9) ثنا زيد به.
وقد علَّقه أبونعيم عن زيد بذكر الشاهد كما تقدم.
-عبد الرحمن بن مهدي:
رواه النسائي في الصغرى (4/ 145) والكبرى (2/ 79 العلمية، 3/ 114 الرسالة) -وعنه الطحاوي في شرح مشكل الآثار (14/ 124) - أخبرني شعيب بن يوسف، ثنا عبد الرحمن بن مهدي.
ورواه ابن خزيمة (1938) ثنا بندار، نا عبد الرحمن.
وابن حبان (8/ 244) من طريق القواريري، نا عبد الرحمن.
والبيهقي (4/ 236) من طريق أحمد، نا عبد الرحمن.
وابن عساكر (54/ 132) والمزي في تهذيب الكمال (32/ 511) من طريق محمد بن عبد المجيد التميمي، ثنا عبد الرحمن.
وابن قتيبة في الغريب (1/ 20) نا خالد بن محمد، نا عبد الرحمن.
سبب ترك بعض الرواة لذِكر معاوية في الحديث:
قال الخلال في العلل (141) : قال مُهنّا، سألتُ أبا عبد الله [وهو الإمام أحمد بن حنبل] عن حديث معاوية بن صالح، عن يونس بن سيف، عن الحارث بن زياد، عن أبي رُهم، عن العرباض بن سارية، قال: دعانا النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى الغَداء المبارك، وسمعتُه يقول:"اللهم علّمه -يعني معاوية- الكتاب والحساب، وقِهِ العذاب".
فقال: نعم، حدّثناه عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح.
قلتُ: إن الكوفيين لا يذكرون هذا:"علّمه الكتاب والحساب وقِهِ العذاب"، قَطَعوا منه؟
قال أحمد: كان عبد الرحمن لا يذكُره، ولم يذكُرْه إلا فيما بيني وبينَه.
قلت: وهذا نص عزيز، فيه بيان موقف الكوفيين -وأكثرهم شيعة- من التحديث بمثل هذا، وفيه أن الإمام أحمد لمّا سُئل عنه لم يَتكلّم فيه بشيء، وكذا تلميذه مُهنا.
قلتُ: والحديث قد سمعَه كاملا من عبد الرحمن:
1)الإمام أحمد كما تقدم.
2 -3) يعقوب الدورقي وعبد الله بن هاشم:
كما حدّث عنهما ابن خزيمة (1938) ورواه من طريقه ابن عساكر (59/ 76)
رواه ابن عساكر (59/ 75) من طريق يعقوب.
4)العباس العنبري:
رواه ابن حبان (16/ 191) من طريقه.
5)أحمد الدورقي:
رواه حمزة الكناني في جزء البطاقة (11) والجورقاني (1/ 190) عن أبي يعلى، عن أحمد الدورقي.
ورواه الآجري في الشريعة (1911) عن ابن ناجية، ثنا أحمد الدورقي.
6)عبيد الله بن عمر القواريري.
رواه ابن عساكر (59/ 75) من طريق أبي يعلى في مسنده الكبير عن القواريري.
7)محمد بن عبد المجيد التميمي:
رواه ابن عساكر (59/ 76) من طريقه.
8)أحمد بن سنان:
قال محمد بن مروان السعيدي في كتاب المجالسة -ورواه من طريقه ابن عساكر في معجم شيوخه (2/ 1041 رقم 1341) : ثنا أحمد بن سنان.
ورواه ابن حبان (16/ 191) والآجري (1912) من طريق ابن سنان.
ذكر الاختلاف على الليث بن سعد في الإسناد:
قال الحسن بن سفيان (الإصابة 3/ 24 وغيرها) -وعنه ابن بطة، وابن منده (الإنابة لمغلطاي 1/ 138) ، وأبونعيم في المعرفة (2/ 804) : ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا الليث بن سعد، عن معاوية بن صالح، عن يونس بن سيف، عن الحارث بن زياد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (فذكره) .
ورواه ابن قانع (1/ 187) ثنا العباس بن حبيب النهرواني، نا قتيبة به.
ورواه ابن منده في المعرفة (الإصابة 3/ 24) من طريق موسى بن هارون عن قتيبة به.
ورواه الحسن بن عرفة في جزئه (36) -وعنه الخلال في السنة (2/ 460) والبغوي في الصحابة (2/ 78) وابن شاهين وابن مندة (الإصابة) واللالكائي (8/ 1441) وابن عساكر (59/ 74) وابن حجر في التهذيب (12/ 141 و142) - عن قتيبة به، وزاد بعد الحارث:"صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم".
قال ابن منده:"هذا وهم من قتيبة أو من الحسن بن عرفة". وقال:"رواه آدم، وأبوصالح، وغيرهما، عن الليث، عن معاوية، عن يونس، عن الحارث، عن أبي رهم، عن العرباض بن سارية، وكذلك رواه عبد الرحمن بن مهدي، وابن وهب، ومعن بن عيسى، في آخرين عن معاوية".
نقله ابن حجر في الإصابة وقال:"قلت: وحديث ابن مهدي في صحيح ابن حبان، وهو الصواب".
وأشار أبونعيم لإعلاله بمخالفته رواية الجماعة.
وقال ابن عساكر:"كذا قال، ولا نعلم للحارث صحبة، وقد أُسقط من إسناده رجلان".
وقال ابن الأثير إن زيادة"وكان صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم"وهم (أسد الغابة 1/ 329) ، وكذلك نص مغلطاي في الإنابة (1/ 138) وابن حجر في التهذيب.
وقال الذهبي في معجم الشيوخ (1/ 154) :"كذا قال، وهذا خطأ".
وقال في تاريخ الإسلام (4/ 309) :"وقد وهم فيه قتيبة، وأسقط منه أبا رُهم والعرباض".
وقال ابن حجر:"أعضل قتيبة هذا الحديث". (التهذيب)
فهذه أقوال الحفاظ في هذه الرواية، ومؤدّاها أن قتيبة وهم في الإسناد وقصّر فيه فأعضله، وأن الرواة غيره عن الليث جَوَّدُوه، وقد تابع الليثَ عن معاوية مجوَّدا أكثرُ من عشرة رواة كما تقدم.
وصوّب ابن منده، وأبونعيم، وابن عساكر (59/ 75) ، والذهبي، وابن حجر رواية الجماعة كما تقدم.
بيان رجال الإسناد:
معاوية بن صالح: ثقة واسع الرواية. (تهذيب الكمال 28/ 186) قلت: وهو في طبقة من يُقبل تفرده، وقد أخرج له مسلم وغيره من أهل الصحاح أحاديث تفرد بروايتها.
يونس بن سيف: وثقه ابن حبان (الثقات 5/ 550 و555 ومعرفة التابعين من الثقات للذهبي 4196) ، والدارقطني (سؤالات البرقاني 564) ، وقال البزار:"صالح الحديث، وقد رُوي عنه"، وقال ابن سعد:"كان معروفا له أحاديث". (الطبقات 7/ 458) ، وروى عنه جمع من الثقات.
قلت: فقول ابن حجر رحمه الله في التقريب:"مقبول"قليل في حقه.
تنبيه: وقع في مطبوع كشف الأستار في زوائد البزار:"قال البزار: يونس والحارث لا أعرفهما"، واعتمد على هذا الكلام بعض من ضعّف الحديث، وهذا خطأ ليس من كلام البزار، إنما كلامه كما في مسنده (ق219 الكَتّانية) :"وحديث العرباض فيه علتان: إحداهما: الحارث بن زياد، ولا نعلم كبير أحد روى عنه، ويونس بن سيف صالح الحديث، وقد رُوي عنه".
وهذا ما نقله مغلطاي وابن حجر من كلام البزار، نبّه على كلام البزار محقِّقُ مشيخة ابن أبي الصقر (ص99 - 100) ، ثم طبع مسند البزار الأصل (10/ 139) ، وفيه التصويب المذكور.
وقد قال الهيثمي في مقدمة كشف الأستار (1/ 6) قائلا:"إذا تكلم [يعني البزار] على حديث بجرح بعض رواته أو تعديل بحيث طوَّلَ: اختصرتُ كلامه، من غير إخلال بمعنى، وربما ذكرته بتمامه إذا كان مختصرا".
قلت: لكني رأيتُ عشرات المواضع أحال فيها الهيثمي معنى كلام البزار، مثل قوله (3/ 166) :"قال البزار: وأحاديث النضر لا نعلم أحدا شاركه فيها"، بينما عبارة البزار في المسند الأصل (9/ 457 رقم 4070) :"وهذه الأحاديث التي رواها النضر بن محمد عن عكرمة لا نعلم أحدا شاركه فيها عن عكرمة". قالها بعد أن ساق خمسة أحاديث فقط من رواية النضر عن عكرمة بن عمار، وهو مكثر جدا عن عكرمة، فلا يُستغرب انفراده عنه ببضعة أحاديث، أما عبارة الهيثمي فمعناها يُسقط روايات النضر عن شيخه كلها!
فليكن هذا في ذهن الباحث عند وقوع الإشكالات ومخالفة المسند الأصل، ولا سيما أن طبعة كشف الأستار رديئة.
الحارث بن زياد: ترجمه مغطاي في الإكمال (3/ 290) فقال: إن ابن خزيمة وابن حبان أخرجا له في الصحيح، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين [4/ 133] ، قال: روى عن أبي رُهم، وأدرك أبا أمامة، وقال البزار: لا نعلم كبير أحد روى عنه، وقال أبوالحسن القطان: حديثه حسن. ثم بالغ مغلطاي بالرد على قول الذهبي في الميزان والمغني:"إنه مجهول"، وقال: إن ذلك قولٌ لم يُسبق إليه. ا. هـ.
قلتُ: وكذلك تعقب الذهبيَّ ابنُ حجر في التهذيب (2/ 142) وقال: قال أبوعمر بن عبد البر في صاحب هذه الترجمة:"مجهول، وحديثه منكر".
قلتُ: سبقه بهذه العبارة المنذريُّ في الترغيب (2/ 79 رقم 1578 ط. ابن كثير) ، وفي دقة هذا النقل نظر، فالذي قاله ابن عبد البر في الاستيعاب:"إن الحارث بن زياد مجهول، لا يُعرف بغير هذا الحديث"، ولم أجد له كلاما آخر عليه، سواء في الاستغناء أو غيره، وبين العبارتين فرقٌ بيّن.
ثم وجدتُ المنذريَّ نفسَهُ ينقل عن ابن عبد البر عبارةً مختلفة وهي:"ضعيف مجهول، يروي عن أبي رُهم السماعي، حديثه منكر". (مختصر سنن أبي داود 3/ 230)
قلت: فأخشى أن يكون المنذري قد تصرف في كلام ابن عبد البر، فأدّى معنى زائدا -ولا سيما أنه أملى الترغيب من حفظه، فتعقّبه مَن تعقّب، كالبرهان الناجي- وبواسطته نقل ابن حجر، فعندي أمثلة على مثل هذا، والعلم عند الله.
قلت: وقُد ذُكر الحارث في الصحابة، وتقدّم أن ذلك لا يصح.
ومما يرفع من حال الحارث بن زياد الشامي أنه وردت روايات عن الرافضة في لعنه! كما في طرائف المقال للبروجردي (ص426) وجامع الرواة للأردبيلي (1/ 173)
أبو رُهم: هو أحزاب بن أَسِيد السَّمَعي، ويقال: السَّماعي، مُختَلَف في صُحبته، ذكره العجلي وابن حبان وابن خلفون في الثقات (الإكمال لمغلطاي 2/ 15) ، وروى عنه جمع من الثقات (تهذيب الكمال 2/ 281) ، وقال ابن حجر: ثقة. (التقريب)
الحكم على الإسناد:
مقاربٌ رجالُه ثقات، إلا أن الحارث بن زياد تابعيٌ مستور.
أقوال الحفاظ في الحديث:
قد تقدّم كلام البزار آنفا، وذكره ابن عدي ضمن إفرادات معاوية بن صالح، ولم يتكلم عليه، وهذا يحتملُ استنكارَه للحديث، وقال ابن عبد البر بعد ذِكْره:"إلا أن الحارث بن زياد مجهول لا يُعرف بغير هذا الحديث"، وزاد المنذري وابن حجر عنه:"وحديثه منكر"، وتقدم مناقشة هذه الزيادة.
وقال ابنُ الجوزي في العلل المتناهية إنه لا يَصح، وأعلَّه بضعف معاويةَ بن صالح، وعبدَ الله بن صالح.
قلت: لأن ابن الجوزي ساق بإسناده متابعةَ عبدِ الله بن صالح لمعاوية، وليس ذلك بشيء، فإنما سقط من إسناده شيخُ عبد الله، وهو معاوية بن صالح نفسُه، وأما طريقة إعلاله بمعاوية بن صالح فلا تستقيم أيضا، إذ اقتصر على تجريح أبي حاتم له، وسكت عن توثيق باقي الحفاظ له! وقد عِيبَ هذا الصنيعُ على ابن الجوزي رحمه الله في كتاب الموضوعات، ثم قد رواه عن معاوية جمعٌ من كبار الحفاظ من عدة بلدان مثل: عبد الرحمن بن مهدي، والليث بن سعد، وعبد الله بن وهب، ولم يتكلموا في الحديث.
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: (9/ 356) :"فيه الحارث بن زياد، ولم أجد من وثقه، ولم يرو عنه غير يونس بن سيف، وبقية رجاله ثقات، وفي بعضهم خلاف".
وفي المقابل: فالحديث لما سُئل عنه الإمام أحمد لم يضعّفه كما في علل الخلال، وصحّحه ابن خزيمة، وابن حبان، وابن عساكر في تاريخه (59/ 106) ، وابن كثير في البداية والنهاية (11/ 409) ، وقال الجورقاني:"هذا حديث مشهور، رواه عن معاوية بن صالح جماعةٌ، منهم: بشر بن السري، والليث بن سعد، وعبد الله بن صالح، وأسد بن موسى، وغيرهم"، وأخرجه ضمن الأحاديث الضدّية للأباطيل والمناكير، وقال ابن عساكر: حسن غريب. (معجم الشيوخ 2/ 1041 رقم 1341) ، وحسّنه ابنُ القطّان. (الإكمال لمغلطاي 3/ 290) ، وقوّاه الذهبي بشاهده. (السير 3/ 124) ، وقال ابن حجر في الإصابة بعد ذكر الاختلاف على معاويةَ مُرَجِّحا ومُقرًا:"قلتُ: وحديثُ ابن مهدي في صحيح ابن حبان"، وأفاض الإمام الألباني في تخريجه وانتهى إلى صحة الحديث. (الصحيحة 3227)
لطيفة: ويُمكن زيادة المثبتين للحديث بما نقله ابنُ أبي يَعلَى الفَرّاء في ترجمة أبي حفص عمر بن إبراهيم العُكبري (3/ 294 العثيمين) إذ قال:"قال أبوحفص: سألني سائلٌ عن رجلٍ حَلَفَ بالطلاق الثلاث إنَّ معاويةَ رحمه الله في الجنّة، فأجبتُه: إنّ زوجتُه لم تطلُق، فليُقِم على نكاحه، وذَكَرتُ له أن أبا بكر محمد بن عَسْكَر سُئل عن هذه المسألة بعَينها؛ فأجابَ بهذا الجواب."
قال: وسُئل شيخُنا ابنُ بطّة عن هذه المسألة بحَضْرَتي، فأظُنُّه ذكَر جَوابَ محمد بن عسكر فيها.
وسمعتُ الشيخَ ابنَ بطةَ يقول: سمعتُ أبا بكرَ بنَ أيوب يقول: سمعتُ إبراهيم الحَربيَّ -وسُئلَ عن هذه المسألة- فقال: لَم تَطلُق زوجتُه، فليُقِم على نكاحِه.
قال: والدليلُ على ذلك: ما روى العِرباضُ بن سارية، أنه سمع النبيَّ صلى الله عليه وسلَّم يقولُ لمُعاوية بن أبي سفيان: (اللهم علّمهُ الكتاب والحساب، وقِهِ العذاب) .
فالنبيُّ صلى الله عليه وسلم مُجاب الدعاء، فإذا وُقيَ من العذاب فهو من أهل الجنة .. الخ"."
قلتُ: والقائل"والدليل على ذلك"أُراه أبا حفص العكبري، والله أعلم.
طرق أخرى للحديث:
حديث عبد الرحمن بن أبي عَمِيرة رضي الله عنه:
روى الطبراني في الشاميين (1/ 190) -ومن طريقه ابن عساكر (35/ 230 و59/ 80) والذهبي في السير (8/ 34) : ثنا أبوزرعة، وأحمد بن محمد بن يحيى الدمشقيان، قالا: ثنا أبومسهر، ثنا سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعة بن يزيد، عن عبد الرحمن بن أبي عميرة المزني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاوية:"اللهم علمه الكتاب والحساب، وقه العذاب"
وروى بعده عن أبي زرعة بنفس السند حديث ابن أبي عميرة الصواب.
وعلّقه البخاري في التاريخ الكبير (7/ 327) عن أبي مسهر به، بالمتن السابق، ثم أخرجه متصلا بالمتن الآخر"الله اجعله هاديا مهديا".
قال ابن عساكر إن هذا الوجه غريب، وأتبعه بتخريج الروايات عن سعيد بن عبد العزيز بمتن:"اللهم اجعله هاديا".
وأعله الذهبي في معجم الشيوخ (1/ 155) ، وقال إن رواية الترمذي لهذا السند بمتن"اللهم اجعله هاديا"أصح، لرواية جماعة من الرواة.
لأن غالب الرواة عن أبي مُسهر (وهُم: يحيى بن معين، ومحمد بن يحيى الذهلي، وابن سعد، ومحمد بن عوف، ومحمد بن سهل بن عسكر، ومحمد بن رزق الله الكلوذاني، والترقفي، ومحمد بن المغيرة، وأبوزرعة الدمشقي في رواية، والبخاري معلقا) ، ومَن تابَعه عن سعيد: يروون بهذا السند المتن الثاني"اللهم اجعله هاديا"، وهو الذي وصله البخاري.
فأما صنيع البخاري فأفهمُ منه أنه أعلَّ الروايةَ المعلقةَ بالمتصلة، يؤيدُه روايةُ الأكثرية عن أبي مُسهر، ومُتابعةُ جمعٍ له على الوجه الموصول، كما بيّن ابن عساكر والذهبي، والله أعلم.
فهذا الإسناد لمتن"اللهم علمه الكتاب"وهمٌ بلا شك، وقد ذكر البزار أن الحديث المذكور لا يُروى إلا بالإسناد المشهور عن معاوية بن صالح.
حديث ابن عباس رضي الله عنهما:
رواه ابن عدي (5/ 1810) وأبوالقاسم عبد العزيز الأزجي في مجلس من أماليه (مع أمالي ابن بشران 2/ 286 رقم 1522) وابن عساكر (59/ 78) وابن الجوزي في العلل المتناهية (1/ 271) من طريق عثمان بن عبد الرحمن الجُمَحي، عن عطاء، عن ابن عباس مرفوعا بمثله.
قال ابن عساكر إنه وجهٌ ضعيف، وأعلّه ابن الجوزي -تبعا لابن عدي- بالجمحي.
قلت: تعقّبَ الذهبيُّ في الميزان (3/ 47) بأن عثمان بن عبد الرحمن هذا هو الوَقّاصي القرشي لا الجمحي، والوقاصي أشد ضعفا من الجمحي، فهو متروك.
ووقعت نسبتُه على الصواب فيما رواه ابن البَخْتَري في المنتقى من السادس عشر من حديثه (رقم 85 وهو في مجموع مصنفات ابن البختري ص467) من طريق عثمان بن عبد الرحمن القرشي، عن عطاء، عن ابن عباس به.
فهذا السند ضعيف جدا.
حديث مَسْلَمة بن مُخَلَّد رضي الله عنه:
رواه ابن بطة (تلخيص الذهبي 223) ومن طريقه ابن الجوزي في العلل المتناهية (1/ 272) من طريق أبي سلمة موسى التَّبُوذَكي.
ورواه الطبراني في الكبير (19/ 439 رقم 1065) والآجري في الشريعة (1919) وابن بطة وابن الجوزي من طريق الحسن بن موسى الأشيب.
ورواه البغوي في معجم الصحابة (5/ 365) والطبراني (19/ 438 رقم 1066) والآجري (1918) من طرق عن سليمان بن حرب.
ثلاثتهم عن أبي هِلال محمد بن سُلَيم الرَّاسِبي، نا جَبَلَة بن عَطية الفلسطيني، عن مَسْلَمة بن مُخَلَّد مرفوعا بلفظ:"اللهم علّمه الكتاب، ومكّن له في البلاد، وقه العذاب".
وعلّقه ابنُ عبد الحكم مِن حديث أهل البصرة عن أبي هلال به. (فتوح مصر ص267)
قلت: قد اضطَرَب أبوهلال في الإسناد:
فقال ابن سعد (1/ 108 تحقيق السلومي) -ورواه من طريقه ابن عساكر (59/ 78) : أخبرنا سليمان بن حرب والحسن بن موسى، قالا: حدثنا أبوهلال محمد بن سليم، قال: حدثنا جبلة بن عطية، عن مسلمة بن مخلد.
قال الحسن بن موسى الأشيب: قال أبوهلال: أو عن رجل عن مسلمة بن مخلد.
وقال سليمان بن حرب: أو حدّثه مسلمةُ عن رجل، أنه رأى معاوية يأكل، فقال لعمرو بن العاص: إن ابن عمّك هذا لمِخْضَد، ثم قال: أما إني أقول هذا، وقد سمعتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول: (فذكره)
وقال الإمام أحمد في فضائل الصحابة (2/ 915) وابن قُتَيبة في الغريب (1/ 394) : حدثنا الحسن بن موسى، ثنا أبوهلال، ثنا جبلة بن عطية، عن مسلمة بن مخلد -أو عن رجل عن مسلمة بن مخلد- به.
ورواه الخلال في السنة (2/ 451) من طريق سليمان بن حرب، ثنا أبوهلال، عن جبلة، عن مسلمة، أو حدثه مسلمة عن رجل.
ورواه ابن عساكر (59/ 78) من طريق ابن أبي خيثمة، نا أبي سلمة موسى بن إسماعيل، نا أبوهلال الراسبي، نا جبلة، عن رجل من الأنصار، عن مسلمة به.
وهذا الحديث أعلّه ابن الجوزي بضعف أبي هلال.
وقال الذهبي في التلخيص: لم يصح.
وقال في ترجمة جبلة بن عطية من الميزان (1/ 389) :"لا يُعرف، والخبر منكر بمرة، وهو من طريق ثِقَتَين عن أبي هلال محمد بن سليم، قال حدثنا جبلة، عن رجل، عن مسلمة .." (فذكر الحديث)
وتعقبّه ابن حجر في اللسان (2/ 96) قائلا:"لعلّ الآفة فيه من الرجل المجهول .."، ثم نقل توثيق جبلة.
وقال قَبلَهُما ابنُ عبد الحكم:"وربما أدخلَ بعضُ المحدّثين بينَ جبلة بن عَطيّة وبين مَسلمة رجلا".
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (9/ 109) بعد أن عزاه للطبراني:"وجبلة لم يسمع من مسلمة، فهو مرسل، ورجاله وُثِّقوا، وفيهم خلاف".
قلت: أبوهلال فيه ضعفٌ (تهذيب الكمال 25/ 292) ، وقد اضطربَ فيه كما تَقدم، وجبلة ثقة (تهذيب الكمال 4/ 500) ، ولكن عدّه ابن حبان من أتباع التابعين، وذكر له المزي ثلاثة شيوخ، كلهم من التابعين، فيظهر لي أن الأقرب من الأوجه رواية أبي هلال، عن جبلة، عن رجل، عن مسلمة.
وهذا سند ضعيف، وتقدم تضعيف الحفاظ لهذه الرواية عموما، إلا أنَّ لفظة:"ومَكِّن له في البلاد"-من حيث الصنعة الحديثية- منكرةٌ لا شاهد لها.
حديث أبي هريرة:
رواه ابن بطة، ومن طريقه ابن الجوزي (1/ 273) من طريق محمد بن يزيد العابد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعا مثله مع زيادة.
وأعله ابن الجوزي بجهالة ابن يزيد، وقال الذهبي إن خبره موضوع، وهو آفَتُه (الميزان 4/ 68) ، وقال إن حديثه كذب. (المغني 2/ 644)
ولكن جاء أحد الكذابين فوضع له إسنادا نظيفا!
فرواه ابن عساكر (59/ 88) من طريق إسحاق بن محمد السوسي، نا محمد بن الحسن، نا ابن ديزيل، نا آدم بن أبي إياس، عن شعبة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعا، وفيه زيادات باطلة.
قال ابن حجر في ترجمة إسحاق من اللسان (1/ 374) :"ذاك الجاهل الذي أتى بالموضوعات السمجة في فضائل معاوية، رواها عبيد الله بن محمد بن أحمد السقطي عنه، فهو المتهم بها، أو شيوخُه المجهولون".
وقال الذهبي في ترجمة شيخه في الميزان (3/ 516) :"روى عنه محمد بن إسحاق السوسي أحاديث مختلَقة في فضل معاوية، ولعله النقاش صاحب التفسير، فإنه كذاب، أو هو آخر من الدجاجلة".
قلت: فالحديث باطل من طريقَيه عن أبي هريرة.
الطرق المرسلة:
رواه الإمام أحمد في فضائل الصحابة (2/ 913) بسند صحيح عن شُريح بن عُبيد مرسلا.
وقال الألباني:"وهذا إسناد شامي مرسل صحيح، رجاله ثقات".
ورواه الحسن بن عرفة في جزئه (66) ومن طريقه ابن عساكر (59/ 79) بسند صحيح عن حَرِيز بن عثمان الرَّحَبي مرسلا.
وقال الألباني:"وهذا أيضا إسناد شامي مرسل صحيح".
ورواه ابن عساكر (59/ 85) بسند صحيح عن يُونُس بن مَيْسَرة بن حَلْبَس مرسلا.
ورواه ابن عساكر (59/ 79) من طريق الزُّهري مرسلا.
وفي سنده أبان بن عَنْبَسة القرشي: ذكره ابن أبي حاتم (2/ 300) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا.
ورواه البلاذري في أنساب الأشراف (4/ 145 العظم) وابن عساكر (59/ 79) من طريق شَبَابة بن سَوَّار، ثنا يوسُف بن زياد التَّيْمي، عن محمد بن شُعيب، عن عُروة بن رُوَيْم اللَّخْمي مرسلا.
ورجاله ثقات، إلا أن يوسف التيمي لم أتبيّنه الآن.
ورواه ابن بطة ومن طريقه الخطيب في تلخيص المتشابه (1/ 405) من طريق داود بن المحبر، نا الحسن بن أبي جعفر العتكي، عن ليث، عن مجاهد مرسلا محل الشاهد.
وسنده موضوع.
خلاصة الحكم على الحديث:
جاء الحديث من مُسند العِرباض بن سَارِيَة، والحارث بن زياد، وعبد الرحمن بن أبي عَمِيرة، وابن عباس، ومَسْلَمة بن مُخَلَّد، وأبي هريرة، ومن مراسيل شُريح بن عُبيد، ويونُس بن مَيسرة بن حَلْبَس، وحَريز الرَّحَبي، والزهري، وعقبة بن رويم، ومجاهد.
وتبيّن أن جميع الطرق المرفوعة إما أنها ترجع لحديث العرباض (طريق الحارث بن زياد، وابن أبي عَميرة) ، أو أنها لا تدخل في الاعتبار أصلا (حديث ابن عباس، وحديث أبي هريرة، وحديث مسلمة عَلَى الأقرب) .
وتبيّن أن حديث معاوية مرفوعا سندُه مُقاربٌ بذاته، وثبّته أكثرُ مَن تكلَّم على الحديثِ مِنَ الحفّاظ فيما وَقَفْت.
وتبيّن أن مراسيل شُريح، ويونُس، وحَريز صحيحةٌ إلى أصحابها، فهي تشهد للمرفوع إن شاء الله، وبذلك تطمئن النفس لتقوية الحديث.
هذا ما انتهى إليه بحثي، والله تعالى أعلم بالصواب.