فهرس الكتاب
من الناس من سعى في الأرض سعيًا حثيثًا، وضرب فها يمينًا ويسارًا سنوات طويلة وترك سعيه هذا وضربه ذلك في الأرض آثارًا ربما تكون ملء السمع والبصر، لكنها آثار ناقصة لم تكتمل، ولم يبارك الله تعالى فيها، فهي كالمولود الخِداج الناقص الذي يظل يعذب أهله طويلًا وربما في النهاية لا يمكث في الأرض، أو إن يعش عاش ناقصًا ضعيفًا لا يصلح للأعمال الجليلة العظيمة.
ويحضرني لهذا مثال من عصرنا مهم، يدل دلالة واضحة على ما أريد، ألا وهو (( البنك العربي ) )وإنشاؤه ليكون نواة لاقتصاد مستقل في زمن الاستخراب العالمي، وكان كما أراد له صاحبه أن يكون، وفتحت له فروع في أماكن شتى، وانتشر في البلاد العربية لكنه لقيامه على الربا، وعدم رضا صاحبه بتحويله إلى مصرف إسلامي - على أنه قد مُحض له النصح في هذا - ظل تأثيره ناقصًا، وصار عمله خداجًا، وإليكم القصة: قصة إنشائه ومن ثم عدم رضا صاحبه بتحويله إلى مصرف إسلامي، وقد حكى قصته الأستاذ توفيق الشاوي [1] الذي قابل مؤسسه عبدالحميد شومان [2] في المغرب وقص عليه
(1) أحد القانونيين الإسلاميين، وأحد من قام مشروع المصارف الإسلامية على أكتافهم، وكان له عمل متصل دائب في الجزائر قبل وأثناء وبعد ثورتها، وكان له جهود في المغرب العربي، وفي المملكة العربية السعودية مع ملكها فيصل رحمه الله، وله عدد من المؤلفات في القانون والاقتصاد والسياسة وهو الآن في القاهرة يصارع المرض بعد فالج نزل به عافاه الله.
(2) وُلِدَ بقرية بيت جنينة قرب المقدس سنة 1307 ونشأ بها يعمل في تكسير الحجارة، وذهب إلى أمريكا فعمل بائعًا متجولًا، ثم افتتح محلًا 18 عامًا، ثم عاد إلى القدس وأنشأ (( البنك العربي ) )وله 50 فرعًا في الدول العربية وغيرها، توفي بمدينة براغ في تشيكوسلوفاكيا سنة 1394 ونقل إلى القدس ليدفن بها. انظر: (( الأعلام ) ): 3/ 286.