فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 67

وقد كان الصبر الذي تحلى به الرسول عليه الصلاة والسلام والصحابة الكرام رضوان الله عليهم على ما عانوه من قتل وتهجير وتعذيب كان سببًا في تمكين الله لهم في الأرض، وانتشار الإسلام ووصوله إلى أقاصي الأرض، حيث تمكن المسلمون خلال فترة وجيزة من فتح بلاد العالم وكسر شوكة الكفر والشرك، والقضاء على أكبر إمبراطوريتين في ذلك العصر الرومانية والفارسية، فتحول بذلك تلك المعاناة والصعاب إلى النصر والتمكين، فهذا هو بلال رضي الله عنه الذي كان يرسل أناته في رمضاء مكة تحت وطأة العذاب وضرب السياط في سبيل الله، سرعان ما تحول ذلك الأنين إلى صوت حر طليق وقوي يجلجل في روابي مكة بالنداء الخالد الله أكبر الله أكبر، وصدق الحق تبارك وتعالى إذ قال: { اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } (1) .

ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «وأن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب» (2) .

وأنشد أحمد بن يحيى (3) :

مفتاح باب الفرج الصبر

والدهر لا يبقى على حاله

والكره تفنيه الليالي التي

وكيف يبقى حال من حاله ... وكل عسر معه يسر

والأمر يأتي بعده الأمر

يفنى عليها الخير والشر

يسرع فيها اليوم والشهر

ومن الانتصار: الانتصار على وساوس الشيطان بالصبر فلا يتطور بلاؤه ولا يزداد، فيفتح بهذا الصبر آفاقًا رحبة في نفسه يرى المستقبل أبيض شفافًا بحسن ثقته بالله تعالى ودحره للشيطان.

وهذا الانتصار من أعظم الانتصارات في هذه الحياة فلا ينهزم المسلم لمرض، أو فقر، أو موت قريب أو حبيب، ونحو ذلك وسيرى النتيجة الحسنة والعاقبة الطيبة في الدنيا والآخرة، ويتبع هذا الانتصار السير في الحياة بخطى ثابتة نحو البناء والتنمية، والطاعات والقربات بدون عثرات أو عقبات.

(1) سورة الأعراف، الآية 128.

(2) مسند أحمد، رقم (2804) ، ص (255-256) .

(3) الصبر، ص58.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت