لكن أولئك يقولون: إن الخالق جعل لهذه الأعيان وجودًا مخلوقًا، وابن عربي يقول: بل نفس وجوده فاض عليها، فهي مفتقرة إليه في وجوده، وهو مفتقر إلى ثبوتها، ولهذا قال: فيعبدني وأعبده، ويحمدني وأحمده، ولهذا امتنع التكليف عنده، فإن التكليف يكون من مكلِّف لمكلَّف، أحدهما آمرًا والآخر مأمورًا، فامتنع التكليف .
ولهذا مثل ما يوجد من الكلام والسمع بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به، أو تعمل به ) . فلما كان المحدث هنا هو المحدث، جعل هذا مثلا لوجود الرب، فعنده كل كلام في الوجود كلامه وهو المتكلم عنده، وهو المستمع .
ولهذا يقول:
إن قلت عبد فذاك ميت **
وفي موضع آخر رأيته بخطه:
/إن قلت عبد فذاك نفى **
لأن العبد ليس له عنده وجود مخلوق، بل وجوده هو الوجود الواجب القديم عنده، وهذا مبسوط في غير هذا الموضع .
فإن كلام الرجل يفسر بعضه بعضا، وهذا الأصل ـ وهو القول بوحدة الوجود ـ قوله وقول ابن سبعين، وصاحبه الششتري، والتلمساني، والصدر القونوي، وسعيد الفرغاني، وعبد الله البلياني، وابن الفارض صاحب نظم السلوك، وغير هؤلاء من أهل الإلحاد، القائلين بالوحدة والحلول والاتحاد .
وأما مدلول هذا الشعر: فإن قوله:
ياليت شعري من المكلف ؟ **
استفهام إنكار للمكلف . ثم قال:
إن قلت عبد فذاك ميت **
وفي موضع آخر قال: فذاك نفى . وكلاهما باطل، فإن العبد موجود وثابت ليس بمعدوم منتف، ولكن الله هو الذي جعله موجودًا ثابتا، وهذا هو دين المسلمين، أن كل ما سوى الله مخلوق لله موجود، يجعل الله له وجودًا، فليس لشيء من الأشياء وجود إلا بإيجاد الله له، وهو باعتبار نفسه لا يستحق إلا العدم . . .
موجودًا حيًا ناطقًا فاعلا مريدًا قادرًا، بل هذا كله . . . لا يمنع ثبوت ذواتها، وصفاتها، وأفعالها .