فهرس الكتاب
كتابة الأطبّاء، عمومًا، كتابة ركيكة، لأنّهم لا يحسنون اختيار البداية. وفي قضيّتنا هذه كان علي الطبيب أن يبدأ من النهاية لكي تكون كتابته صحيحة، أي أن يبدأ من مؤخّرة عبد السّميع مباشرة.
من هنا فإنّ تساؤل مسعود ينمّ عن حكمة بالغة.
-من أين أبدأ؟
هذه المرّة ينبغي له أن يعتصم بالفطنة والحذر.
-بداية جيّدة يا مسعود. جيّدة وذكيّة ولا تخرّ الماء. ضيّعت نصف قرن في البدايات الغبيّة. فرصتك الآن أن تختم الأمر ببداية ممتازة.
نعم .. ليست مذكرات مسعود كلّها إلاّ ثمرة (من أين أبدأ؟) :
-نحن نعرف كلّ شيء، فلا تحاول أن تعلب بذيلك قل كلّ ما لديك.
-من أين أبدأ؟
-من البداية جّدًا .. ارجع بذاكرتك إلي الوراء جدًّا.
يرمي ذيله وراء ظهره، مخافة أن يغريه باللعب، ثم يبدأ.
يسرّح دماغه فتتساقط الأماكن والأحداث والمؤامرات والأسماء. أسماء، أسماء، أسماء. حتي أسماء الذّين سلموا عليه بالغلط، حتي أسماء الساقطين في البكالوريا، حتي أسماء بنت أبي بكر رضي اللَّه عنهما، بغضّ النظر عن أنّ السلطة لم تصدر حتي تلك اللحظة بيانًا توضّح فيه ما إذا كانت راضية عنهما أم لا!
يتعب من الاعتراف فيناولونه وجبة من التعذيب، ويفرجون عنه في اللّيلة نفسها .. بعد أربعة أعوام.
-في كلّ مرّة لا تحسن البداية. أنت الآن وحدك. ليس معك إلاّ ضميرك. لا تخذل نفسك، لست مضطرًا إلي تسريح دماغك. ابدأ كما تشاء، العب بذيلك كما تشاء. هو ذيلك وأنت حرّ فيه يا أخي.
انتصف اللّيل ومسعود منهمك في هرش رأسه.
-من أين أبدأ؟
تناول القلم، وكتب: