فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 251

وبرغم انني أعرف جيدًا طبع السخرية في أخي، فقد أدهشني قوله، ولذلك فقد تساءلت مُحتجًّا:

-كيف يجد الضجر سبيلًا إلي قلب إنسان يقطن مثل هذه البقعة من الفردوس؟!

التفتَ إليَّ بجسمه كلّه، هذه المرّة، وقال بجدّ:

-تعرف أنني حملت معي إلي هنا عددًا لا بأس به من الكتب. لقد احتميت بها من الضجر خلال شهرين كاملين، ثم أعدت قراءتها مرّتين. ولأنّ ضآلة راتبي لا تسمح لي بشراء كتب جديدة، فقد اضطررت في النهاية إلي مواجهة قدري .. فبدأت أجالس الأصدقاء.

تساءلت بدهشة:

-ظننت أنّك ضجرٌ لخلّو حياتك من الأصدقاء. اغفر لي قولي إذا قرَّرتُ أنّك بَطِرٌ جدًا. الضجر الحقيقي هو أن تُضطرّ إلي إعادة قراءة كتاب سبق أن قرأته مرّتين، برغم وجودك في بيئة جميلة ومريحة كهذه، وبرغم وجود الأصدقاء من حولك.

كان علي ما يبدو منشغلًا عنّي بمراقبة رجل قادم من الناصية البعيدة.

قال ضاحكًا:

-هاك .. ذلك واحد من أصدقائي. إنّه الأستاذ توفيق مسؤول المركز الصحّي في فردوسنا المفقود.

بدا الرّجل وهو يقترب شخصًا مهمًا، بقامته المديدة الممتلئة، وشعره الأسود المفروق بعناية واللاّمع تحت طبقة ثقيلة من الزّيت، وببذلته الكحلية الأنيقة، ووجهه الأبيض العفيّ المشرب بالحمرة، وبشاربه المعقود علي جانبي فمه علي هيئة حزمتين غليظتين من شعرات الذهب، بطرفين معقوفين إلي الأعلي كذنب العقرب علي الطريقة التركية.

قلت لأخي:

-لو كان صديقك هذا راكبًا سيّارة تجري أمامها درّاجة نارية لحسبتُه رئيس الدولة ذاته.

لم يعقّب أخي بغير ابتسامة باردة، ورفع يده بالتحية للأستاذ توفيق، الذي ابتدرنا ملوّحًا وهو يتقدَّم نحونا مسرعًا. ثم لمّا حاذي سياج الحديقة ترّيث ليشفع تلويحته بالسَّلام علينا، فخسفَ صوتُه الرفيع جدًا نصف هيبته الرئاسية.

بدا متردّدًا عندما دعاه أخي للانضمام إلينا واحتساء القهوة معنا، لكنّه سرعان ما دفع الباب ودخل، فنهضنا لمصافحته، وجذب له أخي كرسيًا فجلس وهو لا يزال يردّد التحيّات، وينظر إليّ بفضول، ثم سأل:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت